فهرس الكتاب

الصفحة 4933 من 9994

من حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: صمنا مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلم يصلّ بنا -يعني صلاة الليل- حتى بقي سبع -أي سبع ليالٍ أي من الشهر- فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل -أي مضى ثلث الليل وهم يصلون- ثم لم يقم بنا في السادسة، وقام بنا في الخامسة -أي في الخامسة من آخر الشهر- حتى ذهب شطر الليل وهم يصلون، فقلنا له: يا رسول الله لو نفلتنا بقية ليلتنا -أي لو أعطيتنا بقية ليلتنا صلاة وعبادة؟ فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة ) ). سواء طال قيامه أو قصر، فاحرص على ملازمة الأئمة في صلاة التراويح حتى ينصرفوا فإنه سبب لقيام الليل، وسبب لتحصيل الفضل الذي قال فيه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ) ) (1) . لكن إياك أن تقتصر في الاشتغال على فضل القيام بالصورة فقط، فإن من الناس من يبادر إلى المساجد التي تقصر صلاتها ويخف ركوعها وسجودها، ولا يتدبر ما يقرأ فيها، فلا شك أن هاذا لم يقم رمضان، لم يقم الليالي حق القيام، فإن القيام هو أن يقوم الإنسان راغباً فيما عند الله عز وجل إيماناً واحتساباً بقلب خاشع وعين دامعة ولسان ذاكر ومتدبر لما يُقرأ عليه وما يسمعه من كلام الله عز وجل؛ ليكون في زمرة من قال الله جل وعلا فيهم: ?فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17) ? (2) . نسأل الله من فضله.

فيا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة من ليالي هاذا الشهر.

أيها الإخوة الكرام: إن مما ازدان به هاذا الشهر، إن مما اختص به الله هاذا الشهر دون سائر ليالي الزمان ليلة القدر التي جعلها الله جل وعلا خيراً من ألف شهر، عظّم الله شأنها فقال سبحانه: ? إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) ? (3) . وهذا أول التعظيم أن اختصها الله لإنزال خير آية أوتيها نبي، وهي القرآن العظيم ?وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) ? (4) . وهذا تعظيم آخر من رب العالمين لشأن هاذه الليلة ?لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5) ? (5) . ففضل الله جل وعلا في هاذه الليلة عظيم وخيره فيه جزيل، كم فيها لله عز وجل من العتقاء؟ كم فيها ممن يرفع الله عز وجل أجورهم ويعلي منازلهم بما معهم من صدق الرغبة وجد العزيمة في طلب رحمة الله ومغفرته؟ فإنه من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه كما جاء ذلك في حديث أبي هريرة في الصحيحين قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ) ) (6) فالله أكبر.

يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء في كل ليلة من ليالي هاذا الشهر، نسأل الله من فضله.

أيها الإخوة الكرام: إن من أبواب البر وصنوف الخير التي يزدان بها هاذا الشهر أنه محلّ لكثرة قراءة القرآن، قراءة القرآن التي هي شفاء القلوب، واستقامة الأحوال، فإن الله جل وعلا أخبر بأن هاذا القرآن يهدي للتي هي أقْوم، وهدايته للتي هي أقوم في العقائد والأعمال والأخلاق والأحكام وجميع الشؤون، فممّا اختص الله به هاذا الشهر أن أنزل فيه القرآن فحقه أن يُجتهد فيه في قراءة القرآن، وأن يوفّر الإنسان نفسه على الاستكثار من القراءة إن استطاع، فإن الله سبحانه وتعالى ذكر القرآن، ذكر شهر رمضان وذكر أنه أنزل فيه القرآن ثم بعد ذلك ذكر فرضية الصيام، فقال سبحانه وتعالى: ?شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ? ثم قال: ?فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ? (7) . فالصيام هو شكر لتلك المنن، وقيام بحق تلك النعم، وهو ما أنزله الله سبحانه وتعالى واختص به هاذا الشهر من إنزال هاذا القرآن الحكيم.

فاستكثروا أيها الإخوة، استكثروا من قراءة القرآن، وتدبره وتلاوته وسماعه والاهتداء بنوره، فهاذا القرآن يهدي للتي هي أقوم.

(1) تقدم تخريجه صفحة: (4) .

(2) سورة: السجدة (17) .

(3) سورة: القدر (1) .

(4) سورة: القدر (2) .

(5) سورة: القدر (3-5) .

(6) البخاري: كتاب الإيمان، باب قيام ليلة القدر من الإيمان، حديث رقم: 35.

مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الترغيب في قيام رمضان وهو التراويح، حديث رقم: 760.

(7) سورة: البقرة (185) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت