فهرس الكتاب

الصفحة 4906 من 9994

بلغت الفصاحة و البلاغة وفنون القول مبلغاً عظيماً وأخذت الكلمة مكاناً في نفوس العرب من التقديس

والتعظيم لم يبلغه شيء آخر، مما حدا بهم أن يعلقوا المعلقات السبع في جوف الكعبة، وكانت القصيدة تفعل فعلها في القبائل وربما نزلت منزلة قبيلة إلى الحضيض لأن شاعراً أقذع في هجائها. وربما ارتفعت مكانتها لأن شاعراً قد أجاد في تمجيد مآثرها. فكانت معجزة خاتم النبيين في الكلمة والقول.

والحكمة الإلهية في اختيار المعجزة من جنس ما اشتهر بين القوم هي أن الإنسان إذا أوتي من قبل ما يعتبره مفخرته ومجال إجادته واعتزازه تكون الحجة عليه أقوى، والمعجزة أكثر فعلاً وأثراً. ولكي تكون معجزة النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم أشد لمعاناً وأسطع برهاناً، فقد جعل الله معجزته كتاباً معجزاً، وهو الإنسان الأمي الذي لم يخط بيده كتاباً ولم يتلق من أحد من البشر معرفة.3

طريقة القرآن في إثبات النبوة:

الطريقة القرآنية في إثبات النبوة هي إيراد أدلة كثيرة تتكاتف لتؤدي إلى اليقين، فالقرآن الكريم تحدٍ للعرب والعجم والإنس والجن أن يأتوا بمثله، أو بسورة من مثله: {وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (سورة البقرة: 23) . وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم أربعين عاماً، فلم يحدثهم بنبوة ولا رسالة فهذا الأمر يخضع لمشيئة الله فقط: {قُل لَّوْ شَاء اللّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} (سورة يونس: 16) . فلم الشك في أمره مع أنه قد تجرد عن كل مطمع دنيوي: {قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} (سورة سبأ: 47) . ولم الشك في أمره وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب، ولا يمكن أن يستمد من كتاب: {وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} (سورة العنكبوت: 48) .

ومعجزات النبي صلى الله عليه وسلم الدالة على صدقه كثيرة جداً منها ما هو حسي، كانشقاق القمر، ونبع الماء بين أصابعه، وتكثير الطعام، وخطابه الأشجار والأحجار والحيوان وانقيادها له صلى الله عليه وسلم، وإخباره عن أمور غيبية فوقعت كما أخبر، ومن دلائل النبوة الحسي خاتم النبوة، وحنين الجذع ورميه بكف من حصى في وجوه الكفار، وإخبار الذراع وكثير من المعجزات والدلائل الحسية.

وقد يقول قائل: إن عصا موسى أو ناقة صالح، أو هذه الدلائل لنبينا لم نرها في هذا القرن الحادي والعشرين فنريد علامة حاضرة حية تبقى إلى قيام الساعة.

فنقول: هذه العلامة الحية الحاضرة المستمرة إلى قيام الساعة هي القرآن الكريم كلام الله تعالى المعجز. فهو معجز في فصاحته، فلم يستطع العرب على فصاحتهم أن يأتوا بسورة واحدة من مثله. وهو معجز في نظمه، وهو معجز في عدم تبدليه و تغييره أو تحريفه أو زيادته ونقصانه؛ لأنه من عند الله (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً ) ) .

قال ابن عقيل: حفظ جميعه، وآياته وسوره التي لا يدخل عليها تبديل من حيث عجز الخلائق عن مثلها فكان القرآن حافظ نفسه من حيث عجز الخلائق عن مثله...

قال أيضاً: إذا أردت أن تعلم أن القرآن ليس من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فانظر إلى كلامه كيف هو إلى القرآن...

قال وأيضاً: ومن إعجاز القرآن أنه لا يمكن لأحد أن يستخرج منه آية قد أخذ معناها من كلام قد سبق، فإنه ما زال الناس يكشف بعضهم عن بعض فيقال: المتنبي أخذ من البحتري .

وقال: وقد استخرجت معنيين عجيبين: أحدهما: أن معجزات الأنبياء ليست كمعجزة نبينا، فلو قال ملحد اليوم: أي دليل على صدق محمد وموسى؟ فقيل له: محمد شق له القمر، وموسى شق له البحر لقال: هذا محال... فجعل الله سبحانه هذا القرآن معجزاً لمحمد صلى الله عليه وسلم يبقى أبداً.. ليظهر دليل صدقه بعد وفاته وجعله دليلاً على صدق الأنبياء، إذ هو مصدق لهم ومخبر عن حالهم.

وعن إعجاز القرآن يقول الأستاذ المهتدي: (أتيين دينيه) الكاتب الفرنسي الذي أسلم وحج وكتب الكثير عن الإسلام، في كتابه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن معجزات الأنبياء الذين سبقوا محمداً كانت في الواقع معجزات وقتية، وبالتالي معرضة للنسيان السريع، بينما نستطيع أن نسمي معجزة الآية القرآنية (المعجزة الخالدة) ذلك أن تأثيرها دائم، ومفعولها مستمر، ومن اليسير على المؤمن في كل زمان وفي كل مكان، أن يرى هذه المعجزة بمجرد تلاوة كتاب الله.4

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت