ومعنى (حديثة أسنانهما) أي صغيرين. (أضلَع) أشد وأقوى. (فغمزني) جسني بيده والغمز أيضا الإشارة بالعين أو الحاجب أو نحوهما. (سوادي) شخصي. (الأعجل منا) الأقرب أجلاً. (فابتدراه) أسرعا في ضربه وسبقاه. (فنظر في السيفين) ليرى مقدار عمق دخولهما في جسم المقتول وأيهما أقوى تأثيرًا في إزهاق روحه.
فهذان الصبيان كانا بجوار عبد الرحمن بن عوف رضي الله عن الجميع، ولما رآهما أشفق عليهما وتمنى أن يكون بين مقاتلَيْن أقوى وأشد من هذين الصبيين، لكنه فوجئ بفرسان الملاحم وصقور الحرب. صبيان يقتلان طاغوت قريش ورمز كبريائها ورأس الكفر والعناد والصد عن سبيل الرشاد. رحم الله المعاذَيْن. معاذ بن عفراء، ومعاذ بن عمرو بن الجموح. وإذا كانت الأمة الإسلامية قديما بهذه العزة وهذه الكرامة التي هي منظومة بين جميع أفراد الأسرة الرجال والنساء والأطفال، فما الذي جعل أعداء الإسلام يطمعون في أمة الإسلام ويتوجهون إليها بالإهانة حتى يصل الأمر إلى سب نبيها والوقوع فيه؟
وهؤلاء فتية يتسابقون ويبكون من أجل المشاركة في جيش النبي صلى الله عليه وسلم لنصرته.
إن رسولنا صلى الله عليه وسلم أخبر عن الداء والدواء في آن واحد.
عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: تأيّمت أمي (صارت أرملة) ، وقدمَت المدينة، فخطبها الناس، فقالت: لا أتزوج إلا برجل يكفل لي هذا اليتيم، فتزوجها رجل من الأنصار، قال: فكان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يعرض غلمان الأنصار في كل عام، فيُلحِق من أدرك منهم، قال: فعُرِضْتُ عامًا فألحق غلامًا وردني، فقلت: يا رسول اللَّه، لقد ألحقته ورددتني، ولو صارعتُه لصرعته، قال: «فصارعْه» فصارعته فصرعته، فألحَقَني.
[الحاكم 2/2356، والبيهقي 9/17588]
ولا شك أن إعداد النبي صلى الله عليه وسلم لهذا العرض لقبول المجاهدين فيه تشويق للمشاركة، وحرص على القبول، وأسى وأسف لمن لم يلتحق من الصبيان بالمجاهدين، وبذلك يشارك الشباب في الجهاد عن رغبة وحرص، فيبذل روحه سهلة رخيصة في سبيل إعلاء كلمات هذا الدين وهكذا كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن فتى من أسلم (أنصاري) قال: يا رسول اللَّه، إني أريد الغزو وليس معي ما أتجهز، قال: «ائت فلانًا فإنه قد كان تجهز فمرض» ، فأتاه فقال:: إن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقرئك السلام، ويقول: أعطني الذي تجهزتَ به، فقال: يا فلانة، أعطيه الذي تجهزتُ به ولا تحبسي عنه شيئًا، فواللَّه لا تحبسي منه شيئًا فيبارَك لنا فيه. [مسلم 3510] .
وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: رأيت أخي عمير بن أبي وقاص قبل أن يعرضنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يوم بدر يتوارى، فقلت: ما لَك يا أخي ؟ قال: إني أخاف أن يراني رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فيردَّني، وأنا أحب الخروج لعل اللَّه يرزقني الشهادة، قال: فعُرِض على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فردَّه لصغره فبكى، فأجازه ( قَبِله ) عليه الصلاة والسلام. فكان سعد رضي الله عنه يقول: فكنت أعقد حمائل سيفه من صغره، فقاتل وهو ابن ست عشرة سنة رضي الله عنه. [الحاكم 3/4864]
ولما خرج المسلمون إلى أُحد للقاء المشركين استعرض النبي صلى الله عليه وسلم الجيش فرأى فيه صغارًا حشروا أنفسهم مع الرجال ليكونوا مع المجاهدين لإعلاء كلمات اللَّه، فأشفق عليهم صلى الله عليه وسلم وردَّ من استصغر منهم، وكان فيمن ردهم عليه الصلاة والسلام رافع بن خديج، وسمرة بن جندب، ثم أجاز رافعًا لما قيل له: إنه رامٍ يحسن الرماية، فبكى سمرة وقال لزوج أمه: أجاز رسول اللَّه رافعًا وردَّني، مع أني أصرعه، فبلغ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الخبر فأمرهما بالمصارعة، فكان الغالب سمرة فأجازه عليه الصلاة والسلام.
وهذه أم حارثة بن الربيع، رضي اللَّهُ عنهما؛ يقول أنس رضي الله عنه أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم وكان حارثة ابنها قُتل يوم بدر، أصابه سهم غرب (خطأ) ، فقالت يا رسول اللَّه، ألا تحدِّثُني عن حارثة؟ فإن كان في الجنة صبرتُ، وإن كان غير ذلك اجتهدتُ عليه في البكاء. فقال صلى الله عليه وسلم: «يا أم حارثة، إنها جِنان في الجنة، وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى» . قال قتادة: والفَردوس ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها.
[البخاري 2598، والترمذي 3058] .
سبب ضعف الأمة
أخرج الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ عن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق كما تداعى الآكلة على قصعتها، قال: قلنا يا رسول الله؛ أمن قلة بنا يومئذ؟ قال: «أنتم يومئذ كثير ولكن تكونون غثاءً كغثاء السيل، يُنتزع المهابة من قلوب عدوكم، ويُجعل في قلوبكم الوهن» . قال: قلنا: وما الوهن؟ قال: «حب الحياة وكراهية الموت» .
[مسند أحمد ح05422 بإسناد حسن]