فهرس الكتاب

الصفحة 4890 من 9994

كذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما افتقد سعد بن الربيع الأنصاري بعث إليه من يبحث عنه ويطلبه بين القتلى، فإذا به وهو في الرمق الأخير يصيح في قومه الأنصار بأنهم لا عذر لهم أن يمس النبي صلى الله عليه وسلم أذى وهم على قيد الحياة. عن بكير قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحُد لطلب سعد بن الربيع وقال لي: إن رأيته فأقرئه مني السلام وقل له: يقول لك رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف تجدك؟ قال: فجعلتُ أطوف بين القتلى فأصبته في آخر رمق، وبه سبعون ضربة ما بين طعنة برمح، وضربة بسيف، ورمية بسهم، فقلت له: يا سعد؛ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ السلام عليك ويقول لك: «كيف تجدك؟» قال: على رسول الله السلام، وعليك السلام، قل له: يا رسول الله؛ أجدني أجد ريح الجنة، وقل لقومي الأنصار: لا عذر لكم عند الله أن يُخْلَصَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيكم شفر يطرف (أي رمش يتحرك) . قال: وفاضت نفسه رحمه الله

[الحاكم وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه]

فسبحان الله عاشوا على حب رسولهم والدفاع عنه، وماتوا على خير وهم يوصون به، وجراحات كثيرة، ودماء غزيرة دفاعًا عن الإسلام ورسول الإسلام، ليس كلامًا وشعارات.

ثانيًا: والنساء فداء لرسول الله صلى الله عليه وسلم

ومن النسوة اللاتي تربَّث في مدرسة الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم من كن مدافعات عن النبي صلى الله عليه وسلم وقت الشدة معرضات أنفسهن للقتل. لكنه قليل جلل إذا كان ذلك نصرًا لله ورسوله، والله تعالى قد وصفهم وشهد لهم بالصدق فقال: ... يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون [الحشر:8] . من هؤلاء النسوة أم عمارة (نسيبة بنت كعب المازنية) .

قال ابن هشام: وقاتلت أم عمارة نسيبة بنت كعب المازنية يوم أُحُد، فذكر سعيد ابن أبي زيد الأنصاري أن أم سعد بنت سعد بن الربيع كانت تقول: دخلْتُ على أم عمارة فقلت لها: يا خالة أخبريني خبرك؛ فقالت: خرجْتُ أول النهار أنظر ما يصنع الناس، ومعي سقاء فيه ماء، فانتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في أصحابه والدولة والريح للمسلمين (أي الغلبة والنصر للمسلمين) ، فلما انهزم المسلمون انحزت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقمت أباشر القتال وأَذُبُّ عنه بالسيف وأرمي عن القوس حتى خلصت الجراح إليَّ. قالت أم سعد: فرأيتُ على عاتقها جرحًا أجوف له غَوْر، فقلت لها: مَنْ أصابكِ بهذا؟ قالت: ابن قمئة أقمأه الله؛ لَمَّا وَلَّى الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أقبل ابن قمئة يقول: دلوني على محمد؛ لا نجوتُ إن نجا، فاعترضتُ له أنا ومصعب بن عمير وأناس ممن ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فضربني هذه الضربة، ولقد ضربتُه على ذلك ضربات، ولكن عدو الله كانت عليه درعان.

كم تساوي هذه المرأة التي كانت تقاتل الرجال وتنازلهم دفاعًا عن النبي صلى الله عليه وسلم رغم الضربات التي تعرضت لها؟

ـ وهذه امرأة أخرى من أروع الأمثلة في نفس الغزوة ـ أحد ـ وقد أصاب المسلمين ما أصابهم، بل وقد أصيبت هذه المرأة في زوجها وأخيها وأبيها، ولا هم لها إلا أن تطمئن على رسول الله صلى الله عليه وسلم ماذا فُعل به؟

عن سعد بن أبي وقاص قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بامرأة من بني دينار وقد أصيب (قُتِل) زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأُحُد، فلما نُعُوا لها (أي وصلها خبر مقتلهم) قالت: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: خيرًا يا أم فلان، هو بحمد الله كما تحبين، قالت: أرونيه حتى أنظر إليه، قال: فأشير لها إليه حتى إذا رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل (أي هينة) . قال ابن هشام: الجلل يكون من القليل والكثير وهو ههنا القليل. يعني كل مصيبة تكون قليلة وتهون من أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم.

[سيرة ابن كثير والبداية والنهاية]

ثالثا: الأطفال يدافعون عن النبي صلى الله عليه وسلم

وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن جده قال: بينا أنا واقف في الصف يوم بدر؛ فنظرت عن يميني وعن شمالي فإذا أنا بغلامين من الأنصار، حديثة أسنانهما، تمنيت أن أكون بين أضلَعَ منهما، فغمزني أحدهما فقال: يا عم؛ هل تعرف أبا جهل؟ قلت نعم، ما حاجتك إليه يا ابن أخي؟ قال: أُخْبِرتُ أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا، فتعجبت لذلك. فغمزني الآخر فقال لي مثلها، فلم أنشب أن نظرتُ إلى أبي جهل يجول في الناس قلت: ألا إن هذا صاحبكما الذي سألتماني، فابتدراه بسيفيهما فضرباه حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه، فقال: «أيكما قتله؟» . قال كل واحد منهما: أنا قتلته، فقال: «هل مسحتما سيفيكما؟» . قالا: لا، فنظر في السيفين فقال: «كلاكما قتله» . وكانا معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت