فهرس الكتاب

الصفحة 4802 من 9994

فانظر - رعاك الله - إلى أي مدى من الخطورة يُشعِر بها هذا الحديث في الإقامة بين المشركين والقرب منهم, بل انظر إلى الدقة في الحرص على قطع جميع العلائق حتى ما كان منها بالاتصال البصري (تراءى نارهما) ذلك أن هذا الأمر يفضي إلى ما قدمناه من الألفة والأنس به والتطبع على مقاربته, ويزيل من النفس الوحشة والنفرة من المشرك ومعاداته على سبيل المسارقة والتدرج, بل قد يفضي به إلى مودته لما قد يتصف به من حسن خُلُقٍ وطيب معشر وكرم جوار ، وينبهر بما لديه من تقنية أو حرفة أو علم فيحبه لذلك, ولأجل هذا القرب وما تبعه من آثار غاب عنه منافرة المشرك وبغضه واستشعار حقيقة (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) التوبة /28

إذا ما عملت هذا تجلت لك الحكمة من قوله صلى الله عليه وسلم:"لا تراءى نارهما"وما في ذلك من المبالغة في مباعدة المشرك وبغضه, ولهذا كان صلى الله عليه وسلم يقرر ذلك في نفوس أصحابه فيقول لجرير بن عبد الله - رضي الله عنه - في بيعته, ويبايعه على (وتفارق المشرك) .

ثم إلى إشراقة أخرى من أنورار الوحي فيما يرويه أبو هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسو الله صلى الله عليه وسلم:"والفجر والخيلاء في أصحاب الإبل , والسكينة والوقار في أهل الغنم". مسلم (2, 223, ج 190) .

فانظر إلى أثر التقارب على كلا الفريقين. قال صلى الله عليه وسلم من حديث أبي مسعود - رضي الله -:"والجفاء وغلظ القلوب في الفدَّادين عند أصول أذناب الإبل". البخاري مع الفتح (7/701 ح/4387) , مسلم 2/219 /179) .

قال الإمام النووى - رحمه الله -: وقوله"عند أصول أذناب الإبل"معناه: الذين لهم جلبة وصياح عند سوقهم لها" (15) مسلم بشرح النووى (2/221) ."

فما كان هذا حاله من الدواب كان حرياً بمن يتولى رعيها أن يتصف بالغلظة والجفاء المكتسب من طبع هذه الدواب بخلاف حال الغنم, إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأم هانئ:"اتخدي غنماً, تروح بخير وتغدو بخير"صحيح الجامع (1/78) ، وقال:"اتخدوا الغنم, فإنها بركة"صحيح الجامع (1/78) ،

فلما كان هذا حالها تروح وتغدو بخير كان وصف أهلها"السكينة في أهل الشاء"صحيح الجامع (1/687)

ومن أصيب بالغلظة والجفاء جديرٌ بأن يكون من أهل الفخر والخيلاء. فتدبر.

ومع كلمات نيرات لشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - في التشبه بالكفار نجد فيها شاهداً لما نحن بصدده فيقول - رحمه الله -:"إن الله جبل ابن آدم بل سائر المخلوقات على التفاعل بين الشيئين المتشابهين وكلما كانت المشابهة أكثر كان التفاعل في الأخلاق والصفات أتم, ولأجل هذا الأصل وقع التأثر والتأثير في بني آدم ، واكتساب بعضهم أخلاق بعض بالمعاشرة والمشكلة ، وكذلك الآدمي إذا عاشر نوعاُ من الحيوان اكتسب بعض أخلاقه, ولهذا صار الخيلاء والفخر في أهل الإبل, وصارت السكينة في أهل الغنم, وصار الجمَّالون والبغَّالون فيهم أخلاق مذمومة من أخلاق الجمال والبغال وكذلك الكلاَّبون, وصار الحيوان الإنسي فيه من أخلاق الناس من المعاشرة والمؤالفة وقلة النفرة."

وقد رأينا اليهود والنصارى الذين عاشروا المسلمين هم أقل كفراً من غيرهم, كما رأينا المسلمين الذين أكثروا من معاشرة اليهود والنصارى هم أقل إيماناً من غيرهم ممن جَرَّد الإسلام. والمشابهة في الهدي الظاهر توجب أيضاً مناسبة وائتلافاً.

فالمشابهة والمشاكلة في الأمور الظاهرة توجب مشابهة ومشابهة ومشاكلة في الأمور الباطنية على وجه المسارقة والتدريج الخفي . اقتضاء الصراط المستقيم (1/487) .

فانظر إلى تقريره - رحمه الله - كيف تورث المشابهة والمشاكلة والمعاشرة المحبة والألفة وقلة النفرة, وهل المشابهة والمشاكلة والمعاشرة إلا وسيلة تقارب بين المتشابهين والمتشاكلين والمتعاشرين فكان الأثر مترتباً عليها؟

قال شيخ الإسلام - رحمه الله -:"إن المشابهة في الظاهر تورث نوع مودة ومحبة وموالاة في الباطن حتى إن الرجلين إذا كان من بلد واحد ثم اجتما في دار غربة كان بينهما من المودة والائتلاف أمر عظيم, وإن كان في مِصْرهما لم يكونا متعارفين أو كان متهاجرين, وذاك أن الاشتراك في البلد نوع وصف اختصا به عن بلد الغربة. بل لو اجتمع رجلان في سفر أو في بلد غريب وكانت بينهما مشابهة في العمامة أو الثياب, أو الشعر, أو المركوب, ونحو ذلك, لكن بينهما من الائتلاف أكثر مما بين غيرهما. هذا كله موجب الطباع ومقتضاه إلا أن يمنع من ذلك دين أو غرض خاص".

وتأمل صنيع البخاري - رحمه الله - في صحيحة, حيث جعل في كتاب الإيمان باباً اسماه (باب من الدين الفرار من الفتن) ضمنه حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يوشك أن يكون خيرَ مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القَطْر, يفر بدينه من الفتن". صحيح البخاري في الفتح (1/87 / ح19) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت