وقد جرت عادة الناس أن يتخدوا لنومهم ملابس لها خصوصيتها من خفة وشفافية وقد تكون مجسمة (كالبجامة) , وما كان هذا وصفة من اللباس من حيث الشفافيه أو التجسيم أو كشف أجزاء من البدن لا يكون ساتراً للعورة. وقد ينكشف الغطاء أثناء النوم فتبدو العورات, فإن لم يكن التفريق في المضاجع انكسر حاجز الحياء, وضعفت الاسجابة للأمر والنهي في حفظ العورة وسترها. ذاك كله بسبب الاعتياد والإلف لتكرار هذا المشهد نتيجة المقاربة والمجاورة, بل قد يتعدى الأمر إلى أبعد من ذلك وأخطر. فهذا صاحب كتاب (مسؤولية الأب المسلم) يضمن كتابه مبحثاً عن الانخرافات الجنسية عند الأطفال, فإذا به يتعرض للحديث الذي نحن بصدد دراسته فيقول: ولا بد من التفريق بين الأولاد عند النوم خاصة بينهم وبين البنات,فإن كثيراً من الانحرافات الجنسية المبكرة يعود سببها إلى إهمال التفريق بين الأولاد في المضجع, ونومهم مع الأبوين في غرفة الواحد. ويكون ذلك بتخصيص غرفة للأولاد, وأخرى للبنات, وثالثة للأبوين, مع استقلال كل طفل بغطاء يخصه فينبغي عدم المشاركة في الغطاء من كتاب مسؤولية الأب المسلم, اعدلوا, عدنان حسن باحارث (643) . فانظر إلى لطيف الإشارة: ( وفرقوا بينهم في المضاجع )
وإلى دليل آخر من الوحي:
إن الإسلام يُرغِّب في النكاح ويحث عليه, ولأن الأسرة لَبِنَةٌ في بناء صرح الأمة فإن الإسلام يحافظ عليها من أن تُهدم, ويجعل سياحاً منيعاً من الترغيب والترهيب يطوقه علاقة الزرجين ببعضهما, لتشتد هذه اللبنة, فيبدو صرح الأمة شامخاً. فعندما يحدث خلاف بين الزوجين فإن الشرع قد وضع مراتب لتأديب الزوجة. ومحل الشاهد من ذلك مرتبة الهجر, حيث شرع الله - تعلى - أن يكون الهجر في المضجع فحسب, لأن البعد شأنه أن يزيد من اتساع الفجوة بينهما, فشرع الهجر في المضجع, لأن القرب له أسرار منها, عدم النفرة, وسكون النفس, والصحة, والأنس.
واسمع إلى قول صاحب تفسير المنار:"لأن الإجتماع في المضجع هو الذي يهيج شعور الزوجية فتسكن نفس كل واحد منهما إلى الآخر ويزول اضطرابهما الذي أثارته الحوادث قبل ذلك. فإذا هجر الزوج زوجته وأعرض عنها في هذه الحالة احتمل أن يدعوها ذلك الشعور والسكون النفسي إلى سؤله عن السبب, ويهبط من نشز المخالفة إلى مستوى الموافقة . نقلاً عن مفصل أحكام المرأة, للدكتور عبد الكريم زيدان (7/315) ."
سبحان الله! إن المقام مقام تأديب وبنوع من التأديب فيه حزم وشدة, ومع ذلك يرشد الشارع بأن يكون الهجر مقيداً بالمضجع, وذلك لما فيه من المقاربة من المعاني التي سقناها, فتتبدل المخالفة إلى الموافقة في أكثر الأحيان.
ثم أن لم تحصل الموافقة وحصل الطلاق, فإن كان رجعياً فإنه يجب عليها أن تمكث مدة عدتها في بيتها لا تخرج منه, كما لا يحق للزوج أن يخرجها قال - تعالى -: (لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ) . فتأمل كيف أن الشارع أمر الزوج بعدم إخراجها وأمرها بعدم الخروج, وذلك مدة العدة وقدرها ثلاثة قروء, ثم تأمل قوله - سبحانه - بعد ذلك: (لاَ تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا) في ذلك حكمة لطيفة, حيث إن الشارع أشار إلى أن بقاء الزوجة في بيتها قريبة من زوجها من أقوى عوامل المراجعة. وذلك أن في القرب أسراراً فيراها وتراه, ويحن لها وتحن له, فتتحرك في النفس كوامن الرحمة والمودة والعطف, ولهذه المقاربة دون في إبعاد النفرة وتسكين الألفة بدلاً منها, وإلى هذا المعنى الموجود في التقارب بين الزوجين وعدم المفارقة زمن العدة إن كان الطلاق رجعياً نجد الإشارة إلى ذلك في قوله - تعالى -: ( لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لاَ تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا ) الطلاق/1 . وكما أن الرجعة تكون بالقول فهي أيضاً تكون بالفعل . المراد بالفعل هنا الجماع. هذه الحكمة بما فيها من معان تكون متعذرة إذا كانت الزوجة خارج بيتها بعيدة عن زوجها.
وإلى شاهد آخر من السنة النبوية يقرر أثر التقارب والتباعد في النفوس البشرية:
عن جرير بن عبد الله - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله عليه وسلم:"أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين, لا تراءى نارهما". إرواء الغليل (5/30) وقال: صحيح.
وعنه أيضاً قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أبايعك على أن تعبد الله, وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة, وتناصح المسلمين, وتفارق المشرك . صحيح الجامع (1-678) ."