قال ابن رجب - رحمه الله -: فجعل النبي صلى الله عليه وسلم مَثَل المحرمات كالحمى الذي تحميه الملوك ويمنعون غيرهيم من قربانه, والله - عز وجل - حمى هذه المحرمات ومنع عباده من قربانها وسماها حدوده فقال - سبحانه -: ( تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا ) البقرة: 187. وهذا فيه بيان أنه حدَّ لهم ما أحل لهم, وحدَّ لهم ما حرم عليهم , فلا يقربوا الحرام ولا يتعدوا الحلال, ولذلك قال في آية أخرى: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ) البقرة: 229 وجعل من يرعى حول الحمى وقريباً منه جديراً بأن يدحل الحمى ويرتع فيه, وفي هذا إشارة إلى أنه ينبغي التباعد عن المحرمات وأن يجعل المسلم بينه وبينها حاجزاً . جامع العلوم والحكم (208) بتصرف.
فنبه - رحمه الله - على هذه الإشارة النبوية إلى الدواء المتضمن لبيان الداء فإن كان الدواء التباعد عن المحرمات فإن الداء في التقارب منها (يرعى حول الحمى) ألا ترى أن المحرم هو ما بداخل الحمى, وما حوله حلال, ولكن (يوشك أن يرتع فيه ) فالرَّعيُ حول الحمى ذريعة موصلة إلى رعي الحمى نفسه.
إن في دلالة الحديث على الداء (التقارب من المحرمات) معاني لطيفة, ذلك أن الشارع إذا نهى عن معصية وزجر عنها أوجب ذلك على المسلم نفرة ووحشة من هذه المعصية (الحمى) فكلما كان بعيداً عن الحمى كانت النفرة والوحشة أبلغ, والزجر قد أخد مأخذه, وذلك أن طبائع النفوس البشرية تألف ما تقاربت منه وتعتاده, وتزول بينها وبينه كل الحواجز وتتكسر العواعق, فتضعف في النفس زواجر الوعيد وقوارع التهديد بسبب الإلف والاعتياد الذي هو أثر المقاربة للمحرمة.
ولتستبين أن الداء هو التقارب من المحرمات (الحمى) وأثره المترتب عليه فانظر إلى أثر التقارب في النفوس البشرية وما تقاربت منه وإن كانت لا تحبه, بل قد يكون خطيراً عليها.
ألا ترى إلى ساكن البادية قد ألف المبيت بها بين دوابها وهوامها. بينما لو أتينا بساكن المدينة ليبيت ليلة في البادية لكثرت عليه الخواطر: يُفزعه كل صوت يسمعه, يتخيل دواب الأرض وعقاربها وأفاعيها تحيط به من كل جانب, يستحضر قوة سمومها وسرعة نفوذها, فلا يكتحل طرفه بمنام ـ فانظر إلى أثر القرب والبعد عند كل منهما ، ساكن البادية لا يجهل أنها إن لدغته تقتله ، وقد لا يتيسر له الدواء في زمن كاف, ويعلم أنها خطيرة عليه وعلى صغاره الذي يعجزون عن الدفاع عن أنفسهم حتى ولو بالهرب عنها.بل كم شيع من جنازة قريب أو صديق كانت هذه الهوام سببها! ولا تعجب فكم من مرة يرى هذه الدواب ويذهب في شؤنه دون أن يتعرض لها بسوء! إنه التقارب منها وما يترتب عليه من طبيعة الإحساس بكل هذه المخاطر, فعينه قد اعتادت رؤيتها, وأذنه قد ألفت سماع أصواتها, إنه الإلف والاعتياد بسبب المقاربة. وذلك صاحب المدينة ينام قرير العين هادئ البال بعد أيام أو أسابيع من سكناه البادية.
وليتجلى لنا أثر التقارب والتاعد في غياب حرمة الحمى وخطره وشناعة المحرمات واستشعار ذلك فإننا نتدارس هذا النص النبوي:
عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"مروا أولادكم بالصلاة لسبع سنين, واضربوهم عليها لعشر سنين, وفرقوا بينهم في المضاجع"المسند (6756) , قال أحمد شاكر: صحيح.
إن شطر الحديث الأول يرشد إلى أن التقارب من الصالحات سبيل إلى إلفها واعتيادها وترويض النفس على قبولها والمداومة عليها, فإذا بلغ الصبي سبع سنين فإنه يؤمر بها فتألف أذنه الأمر بها, إذ يتكرر عليه ذلك خمس مرات في اليوم والليلة, وتعتاد قدماه المشي إلى المساجد, وترى عينه المصلين يترددون إلى المسجد. يرى المصلين صفوفاً يتقدمهم الإمام.يتكرر هذا لمدة ثلاث سنوات, وهذه السنوات الثلاث تعد مرحلة أولية تهيئة لما بعدها. ثم المرحلة الثانية (واضربوهم عليها لعشر سنين) وفي هذه المرحلة يكون الصبي قد اعتاد الصلاة وأصبح لديه تصور مجمل لهيئتها وعدد مراتها والتمييز بين الفروض, وتكون هذه المرحلة أكثر حزماً , فإن فيها أمراً زائداً عن مجرد الأمر بالصلاة: (واضربوهم) وتستمر هذه المرحلة إلى سن البلوغ, فهذه قرابة ثماني سنوات تشكل دورة تدربيية في التقارب مع هذه الطاعة, فيألفها ويعتادها ويحبها بسبب تقريبه منها ومن أهلها كما مر بك. فإذا أُعلم بها وبمكانتها في الإسلام عند جريان قلم التكليف عليه سهل عليه القيام بها بخلاف من لم يراع في حقه هذا الإرشاد النبوي.
وفي شطر الحديث الثاني قوله صلى الله عليه وسلم: ( وفرقوا بينهم في المضاجع ) انظر إلى لطيف الإشارة النبوية في تحديد وقت التفريق في المضاجع عند سن العاشرة بين الأبناء والبنات, ففي هذه السن تكون بعض البنات قد بلغن سن الرشد أو قاربن البلوغ , وإن لم يكن فلا أقل من تغير جسمها وهيئتها عن جسم الصبية.