فهرس الكتاب

الصفحة 4784 من 9994

ثالثاً: الجانب النفسي

وهو مهم جداً أيضاً ونذكر فيه أمران:

أولها: المشاركة الشعورية العميقة الصادقة .. أين أخوة الإيمان ؟ أين آصرة الإسلام ؟ أين الصورة المثالية العظيمة الفريدة ، والمثل الحي الكامل الذي ضربه سيد الخلق - صلى الله عليه وسلم - حينما قال: ( مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحُمى ) .

لقد كنت أُحدّث نفسي ، وحدّثت بذلك بعض الناس ، قلت: إني أُمكر من نفسي أن حزنها ما زال قليلاً ، لا يكافئ المصاب ، والخطب العظيم ، وإن ألِم القلب ما زال دون المطلوب بكثير ، وأننا ما زلنا نستطيع أن نضحك ، وأن نفرح ، وأن نلهو ، وأن ننام ، وأن نطعم ، وأن نشرب ، وكأن خنجراً لم يُطعن في قلوبنا ، أولم يدخل وينفذ إلى ظهورنا ، وكأننا لسنا مصابين بذلك المصاب الضخم الهائل .. كأننا لن يكون لنا هذا الأثر النفسي حتى يكون المصاب في أنفسنا ، وفي أعراضنا ، وفي بيوتنا وحرماتنا .

لقد كان صلاح الدين لا يضحك ولا يتبسّم ، فلما قيل له في ذلك قال:"كيف أضحك وبيت المقدس في أيدي النصارى".

ذلك كان همهم وحزنهم قد خالط شغاف قلوبهم وجرى مع دمائهم في عروقهم لم يملكوا معه أن يناموا وأن يهجعوا ولا أن يلهوا ولا أن يضحكوا .

لابد أن نُعمّق هذا الشعور ، وأن نجعله عظيماً في قلوبنا..

لمثل هذا يذوب القلب من كمدٍ إن كان في القلب إسلام وإيمان .

لابد أن نستشعر هذه المعاني ، وأن نُعمّقها في نفوسنا ونفوس أبنائنا ، وأن لا يتبلّد الإحساس ونحن نشاهد المناظر أمامنا ..كم طفلاً رأيناه مشّوه الوجه قد قٌتلت براءته ؟ كم أماً رأيناها وهي تبكي على رضيعها وصغيرها ؟ كم مَن رأينا ممن فقدوا دُورَهم وأموالهم ؟ ليس اليوم .. ليس في العراق وحسب ، بل في فلسطين على مدى خمسين عاماً ، وفي كشمير مثلها ، وفي غيرها .. وفي غيرها .. وما زال الحزن في نفوسنا قليلاً .

ولقد قلت هذا لأني أعني به نفسي ، وأرى أننا إن لم يكن ذلك حُرقة نشعر بها تقظ مضاجعنا .. تؤرق نومنا .. تجعلنا لا نهنئ بعيشنا .. إن لم يكن ذلك كذلك فلنتهم أخوتنا ، ولنتهم صدق مودتنا ، ولنتهم تلاحمنا كالجسد الواحد الذي أخبر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ..

قلبي يفيض أسىً وعيني تدمعُ والجسم من فرط الضنى متضعضعُ

نار تمور بها الحشا وتألمٌ يثري نياط القلب فهي تقطّعُ

حرٌ يُسام أذىً ويُهتك عِرضه قهراً فيا لله كم ذا مُفزعُ

وفتاة طُهرٍ بالحجاب تلّفعت عنها حجاب الطُهر قهراً يُنزعُ

وبيوتهم فوق الرؤوس تهدّمت والطفل مات وأمه تتوجعُ .

أفليس في قلوبنا رحمة إنسانية ، وأخوة إيمانية ، وعاطفة إسلامية ، لِما لم نُذكها ؟ ما لم نُحركها .. ما لم نقتدي بذلك أن نقويها فلن تكون لنا تلك الحركة الإيجابية التي نرجوها ونأملها .

ثاني الجوانب النفسية: القوة والعزة

فلسنا نريد لهذه الأحزان أن تنال من عزيمتنا ، ولا أن تُوهن من قوتنا ، ولا أن تُضعف من عزتنا ، كلا ! نريدها وقوداً يتّفجر قوة ، ويتطاير عزة ، نريد أن نؤكد في كل الظروف والأحوال ، بل في ظروف المحن والفتن على وجه الخصوص أننا نستعلي بإيماننا ، وأننا نشرف ونفخر بإسلامنا ، وأننا نرفع رؤوسنا ، وأننا سادة الدنيا ، وأننا نُعلّم البشرية ، وأننا قادة الإنسانية ، وأننا دعاة الحرية ، نحن أمة محمد صلى الله عليه وسلم .. نحن الأمة التي اختارها الله - عز وجل - لتكون الأمة الباقية إلى قيام الساعة ، ولتكون الأمة الشاهدة على الأمم يوم القيامة ، { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ } .. { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً } .

ما بالنا في نفوسنا وهنٌ ؟ في قلوبنا ذلٌ ؟ في أحوالنا تقهقرٌ ؟ ما لم يكون ذلك كذلك ؛ فإنه لا يُرجى أن يتوّلد لنا عملٌ ، وأن تكون لنا حركة لابد أن نستحضر قول الحق سبحانه وتعالى: { وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } .

أقدامنا فوق كل الرؤوس وإن علت ، مخت بقوتها المادية ؛ ن قوتنا الإيمانية أعظم ، ن جولتنا معهم أوسع وأشمل ، ن نصرنا عليهم مؤزّرٌ مؤكد ، س في ذلك أدنى شكٍ لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت