ينبغي أن نُدرك ذلك ، وأن نستحضر موقف رِبعي بن عامر وكلكم يعرفه ، وقد قلناه وكررناه ؛ لأنه موقفٌ يدل على ما ينبغي أن يعمر قلوبنا ونفوسنا يوم دخل على أبهة المُلك عند رستم - قائدٌ عظيمٌ من قادة الفُرس - في بهرج الدنيا ، وزُخرف الحضارة ، وقوة الجُند ، وهيبة المُلك ، هل لفت نظره شيءٌ من ذلك ؟ هل أضعف شيءٌ من ذلك قوته وعزيمته ؟ هل نال من فخره وعزته ؟ دخل يُخرّق الطنافس برمحه ، ويسير إلى أن يجلس على سرير مُلكه ، ثم يُخاطبه عندما سأله ذلك السؤال: ما الذي جاء بكم ؟ فقال:"جئنا لنُخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة".
لله درك نموذجاً من نماذج العزة ، ووضوح الرؤية نفتقده ونفتقر إليه كن مسلماً قوياً عزيزاً .
فإنك لا تُلين لهم الجنابا وإنك لا تُقيم لهم حسابا
ولا تُبدي لهم ملقاً وزُلفا ولا تهدي لشيبهم خضابا
وغيرك ينسج الألفاظا عُهراً يدغدغ في عهارتها الرغابا
وغيرك لا يُجيد الرقص إلا على أوتارهم ولها استجابا
ورأسك يا أمير القوم قاسٍ ومن قبل المشيب أراه شابا
لأنك مسلمٌ ستظل حرباً على الأشرار تُرهقهم عذابا
تذكروا وصيحوا دائماً بأن الإيمان أعلى وأجّل ، ويوم قال أبو سفيان بعد أُحد وقد رأى شيئاً من نشوة انتصارٍ عابر ، أو جولة قليلة ، صار يُصيح ويُنادي:"أين محمد ؟ أين أبو بكر ؟ أين عمر ؟"ويقول الرسول: ( لا تُجيبوه ) ..حكمة وحيطة ، فلما قال: أُعل هُبل - أراد أن يفتخر بعقيدته - فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم - أجيبوه فانتدب الفاروق عمر ، فلما قال أبو سفيان:"أُعل هُبل"قال:"الله أعلى وأجّل"فقال:"يومٌ بيوم بدر"قال:"لا سواء قتلاكم في النار وقتلانا في الجنة".
يبقى راشد العقل .. قوي العزم .. رابط الجأش ..لا تنال الأحداث من قوته وعزته .
نسأل الله - عز وجل - أن يُقوّي قلوبنا ، وأن يُعز نفوسنا ، وأن يربطنا به .
الخطبة الثانية
أما بعد أيها الأخوة المؤمنون:
لابد لنا أن نستحضر هذه المعاني ، وأن نتواصى بها ، ولقد كنت أريد أيضاً أن أُضيف إلى حديثي هذا الجانب العملي ، وهو جانب فيه كثير من الخطوات وكثيرٌ من الميادين ولكن المقام يقصر عنه .
وبعض إخواننا قد يرى أن طول الحديث يُتعبه أو يُرهقه ، ولست ممن يريد طول الحديث شهوة في كلام ، ولكن إن لم يكن ذلك كذلك في مثل أوقاتنا هذه ، ونحن نقضي من الأوقات في قليل وكثير من الأمور العارضة والتافهة ما الله - سبحانه وتعالى - به عليم .
ثم لا يكون لنا اجتهادٌ ، وجدٌ ، ولا صبر ومصابرة ، أن نتذاكر ، وأن نتحدث ، وأن تطول مراجعتنا ، وأخذنا ، وردّنا في حالنا وبهاءنا ، وفي ما يستعين الله - سبحانه وتعالى - به في مواجهة أعداءنا .
لعلنا - أيها الأخوة الأحبة - أن نُكثر من التجاؤنا إلى الله عز وجل ، ودعاءنا إليه - سبحانه وتعالى - وسأجعل حديث الجانب العملي في لقائنا ، وجُمعتنا القادمة إن مد الله في الأعمار .
نسأل الله - سبحانه وتعالى - أن يرد كيد الكائدين ، وأن يدفع شر المعتدين .