فهرس الكتاب

الصفحة 4783 من 9994

نعم ذلك كيد من أعداءنا ، وهل يُتصور من الأعداء إلا ذلك ؟ لكننا نريد أن نُكاشف أنفسنا .. أن نضع النقاط على الحروف .. أن نقرأ آيات القرآن الكريم: { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } .

انتبه إلى هذه المعاني ، وقد جاءت صريحة واضحة ، وليس فيها مداراة ، ولا مجاملة .. خُوطب بها سيد الخلق - صلى الله عليه وسلم - وصفوة البشر من أصحابه - رضوان الله عليهم - في حادثة واحدة ، في معصية ومخالفة واحدة في يوم أُحد ، جاء الخطاب الربّاني: { أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا } .

كيف وقع هذا ؟ كيف حلّ بنا هذا ؟ كيف وبيننا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ كيف ونحن ننصر دين الله ؟ لقد كان ذلك والرسول معهم ، وصحبه والصفوة المختارة ، فهل تجاوزتهم سنة الله ؟ وهل لم يمضي عليهم قدر الله: { أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ } .

كلامٌ واضح ، ومباشرة صريحة نفتقدها ، ونداري أنفسنا ونُغالطها ، ونقول هنا وهناك ، ونرمي بالتبعة على الحكام ، أو نُلّبسها على الحكام ، أو ندفع بها نحو الأعداء ، وكأننا من كل ذلك براء ، وكأننا مُطّهرون ليس فينا نقصٌ ولا عيب ، وكأننا لسنا سبباً من أسباب هذا البلاء ، وكأننا لسنا طريقاً من طرق تسلط الأعداء .

ولقد تنزّلت الآيات يوم أُحد ، والجراح ما زالت نازفة ، والحزن ما زال في القلوب يعصرها ، وفي النفوس يثريها ويؤلمها ، ومع ذلك جاء الوضوح القرآني ، والمنهج الرّباني ، فهل نحن قادرون على أن نقول:"نحن أصحاب الأخطاء ، ونحن جزء من البلاء ، ونحن الذين مكنّا في بلادنا ، وديارنا وأوضاعنا وأحوالنا للأعداء".

هل نقولها ؟ ينبغي أن نقولها ، وينبغي أن نلتفت ألا ننظر يمنة ويسرة .. أن ننظر إلى ذوات أنفسنا .. أن ننظر في المرآة إلى أحوالنا .. أن نكشف خللنا ، وإذا عرفنا مصدر الخلل يُمكن أن نعرف مصدر الإصلاح والعمل وذلك أمره بيّن .

إذا شكا أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وقالوا ما قالوا ، وهم مَن هم من أمرٍ يسيرٍ ، ومخالفة واحدة ، فكيف نحن نسأل اليوم لِما يجري ذلك ولِما يحل بنا ذلك .

ألسنا نرى معاصي تبلغ إلى درجة الكفر .. بنبذ دين الله ، والاستهزاء بكتاب الله ، والتعدّي على شخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تقع في ديار المسلمين ، وبلسانٍ عربي مبين ؟ ألسنا نرى فسقاً وفجوراً ؟ ألسنا نرى غير ذلك مما تعلمون ؟

وهذه مرة أخرى في وصف أُحد: { إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ } ، أي تقتلونهم قتلاً قوياً سريعاً أي في أول المعركة: {ِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ } .

لابن القيّم كلامات كثيرة انتخبت منها واحدة يقول فيها:"من أثار المعاصي والذنوب قلة التوفيق ، وفساد الرأي ، وخفاء الحق ، وفساد القلب ، وخمول الذكر ، وإضاعة الوقت ، ونفرة الخلق ، والوحشة بين العبد وبين ربه ، ومنع إجابة الدعاء ، وقسوة القلب ، ومحق البركة في الرزق والعمر ، وحرمان العلم ، ولباس الذل ، وإهانة العدو ، وضيق الصدر ، والابتلاء بقرناء السوء ، وطول الهم والغم ، وضنك العيش ، وكسف البال".

كل ذلك يتوّلد عن المعصية ، والغفلة عن ذكر الله ، كما يتوّلد الزرع عن الماء ، لِما لا نبحث في ذلك كما كان يعرفه ويتشّربه سلفنا الصالح !

روى ابن مسعود - يُروى عنه موقوفاً ومرفوعاً -"إن العبد ليُحرم العلم بالذنب يُصيبه".

كانوا يرون أن خفاء المسألة أو أن نسيان النص إنما هو بسبب الذنب ، ومن مقالات السلف:"كان أحدنا يجد أثر الذنب في خُلق زوجته ودابته".

إذا رأى في زوجته خُلقاً سيئاً اتهم نفسه أنه قد قصّر وأساء ، فابتلاه الله بذلك في أدّق الدقائق ، وفي أبسط الأمور ، كانوا يعرفون ويوقنون أنهم من الأسباب ، فيبدأون أولاً بعلاج أنفسهم .

لله در أبي هريرة - رضي الله عنه - صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يقول لنا:"ما بالك تُبصر القذى في عين أخيك ولا تُبصر الجذع في عين نفسك".

نحن بصيرون بالبحث ، والتنقيب والاستخراج لعيوب الناس ، ونحن أعمى الناس عن عيوبنا وأغفل الناس عن تقصيرنا .

إن كنّا نريد في هذه المحن والفتن أن نخرج منها بخير ، فليكن معرفة تقصيرنا وتفريطنا أول ما نبدأ به ، ونحن نعلم أن طريق العمل كما قال الله جلّ وعلا: { إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ } .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت