لقد رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك ببصيرته النافذة ، وكان قد أعلن عن نتائج كثير من معاركه وغزواته ، قبل بدئها ألم يكن في يوم بدرٍ قد قال: ( والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم .. هذا مصرع أبي جهل .. هذا مصرع عُقبة بن أبي مُعيط .. هذا مصرع أمية بن خلف ) ، لماذا ؟ لأن يقينه بالله كان عظيماً ، ولأنه يعرف أن سنة الله ماضية في نصرِ مَن نَصَر الله ، إن تخلّف وعدٌ فلم يكن تخلّفه لذات الوعد ، وإنما لتخلّف شروط تحقق الوعد .
فلا ينبغي أن نُسرف في عواطفنا ، وأن نُجاري هذه الموجات الإعلامية ، التي تتلاعب بعواطف الناس ، ثم لا يكون لهم من بصيرتهم ، ورؤيتهم ، ويقينهم ، ومعرفتهم القرآنية والإسلامية ما يكشفون به ذلك .
ولقد كانت كسرة في يوم أُحد لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن معه ، فأي شيء صنع عليه الصلاة والسلام ؟ هل استسلم لليأس ؟ وهل شك أصحاب محمد في نبوّته ؟ وهل ظنوا أن الإسلام قد ذهبت ريحه ، وانقضت أيامه ، وزالت دولته ؟ لم يكن من ذلك شيء .. في اليوم الذي يليه خرج بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلحقوا عدوهم .. ليُثبتوا أن الهزيمة لم تصل إلى القلوب ، وأنها لم تبلغ النفوس ، وأنها لم تُخالط العقول وأنها لم تُغيّر الشعور .
ذلك هو الذي كان يقصده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يقصد مجرد المواجهة المادية ، بقدر ما كان يريد تثبيت الروح ، والقوة ، والفهم المعنوي لأصحابه رضوان الله عليهم .
وهكذا كان في كل واقعة - عليه الصلاة والسلام - يوم بدأت حُنين بما بدأت به ، من ارتداد بعض الأصحاب في أول الأمر ، واختلاط الرؤية ، وتضارب جيش المسلمين ، ونزول السهام والنبال عليهم كوقع المطر ، ثبت - عليه الصلاة والسلام - وأي شيء كان يقول ؟ .
بعض الذين كانوا من مسلمة الفتح لم يثبت الإيمان في قلوبهم ، قال بعضهم:"بطُل اليوم سحر محمد"،لم تكن عندهم وضوح رؤية ..لم يكن عندهم صدق إيمانٍ بعد ، فهل نقول مثل ذلك إن وقعت واقعة أو حلّت كارثة ؟ كلا ! ينبغي أن لا يكون ذلك ، لقد قالها عليه الصلاة والسلام: ( أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب ) .
رفع بها صوته .. ثبت في موقعه .. تقدّم في مواجهة عدوه ، فعادت العقول إلى رشدها .. رجعت العزائم إلى قوتها .. انعطفت الجيوش إلى مقدّمتها .. فعادت الجولة والنصر إلى أهل الإسلام والإيمان .
ويوم كُسر المسلمون في بغداد في محرم من عام 656هـ وكان ما كان من قتل 800 ألف وألف ألف كما ذكر ابن كثير في تاريخه ، واستمر القتل أربعين يوماً ، وسالت الميازيب من دماء المسلمين ، وبلغ نتن جيافهم إلى بلاد الشام .. أمرٌ عظيم .
قامت الأمة من كبوتها ، ونهضت من وهدتها ، واستعادت عزيمتها ؛ لأن كتابها بين يديها ، وسنة نبيها - صلى الله عليه وسلم - أمامها .. لأن القوة الموّلدة موجودة ، وبقي أن نوصلها بنا ، وأن نرجع إليها لنشحن أنفسنا بها .
في الخامس والعشرين من شهر رمضان في يوم الجمعة عام 658هـ بعد أقل من 3 أعوام نهض المسلمون ، وواجهوا التتار ، وكسروهم ، وهزموهم ، وتتبعوهم حتى لم يبقى منهم أحد .
وذلك ما ينبغي أن نعرفه ، ليست مواجهتنا لأهل الكفر والعدوان في ميدان واحد ، ولا في جولة واحدة ، ولا في دولة واحدة ؛ فإن رأينا ذلك كذلك ، وخسرنا الجولة ، أو ذهبت الدولة كأنما نسينا كل شيء ، كلا ! ينبغي أن نُدرك أننا نؤسس ونواجه أعداءنا على مدىً طويل من الزمان كما فعلوا ، وكما يفعلون ، وأننا نواجههم في كل الميادين .. قتالية ، وفكرية ، وخُلقية ، وعقدية كما يفعلون .
قطفوا الزهرة قالت من ورائي برعمٌ سوف يثور
قطعوا البرعم قالت غيره ينبني في رحم الجذور
قلعوا الجذر من التربة قالت إنني من أجل هذا اليوم خبأت البذور
كامنٌ ثأري بأعماق الثرى وغداً سوف يرى كل الورى
كيف تأتي صرخة الميلاد من صمت القبور
تبرد الشمس ولا تبرد ثارات الزهور
وذلك ينبغي أن نستحضره في رؤيتنا ، أن يبقى ولاؤنا لله ، ولعباد الله ، ولدين الله ، وأن يبقى بُغضنا وبراؤنا لأعداء الله ، وتربصنا بهم الدوائر ، وشحذ هممنا للقائهم ، وتغذية أبنائنا ، ورضاع ذلك مع لِبانهم ؛ فإنها ليست جولة واحدة .
إن اغتصاب الأرض لا يُخيفنا فالريش قد يسقط عن أجنحة النسور
والعطش الطويل لا يُخيفنا فالماء يبقى دائما في باطن الصخور
هزمتم الجيش إلا أنكم لم تهزموا الشعور
قطعتم الأشجار من رؤوسها وظلّت الجذور .
ابقوا الجذور للإيمان في قلوبكم ، فسوف تبسق شجرته ، وتينع ثمرته ، ويعظم ظله ، ويشمخ بإذن الله - عز وجل - رغم أنف كل قوى الأرض قاطبة ، وإن عظمت ، وإن تضخّمت ، وإن هوّل الناس هولها ، وعظّموا أمرها .
ثانياً: معرفة الخلل وطريق العمل
لا ينبغي أن نُخادع أنفسنا ما الذي آل بنا إلى هذا الأمر ؟ ما الذي جعل عجزنا واضحاً فاضحاً ؟ ما الذي جعل ذلنا ظاهراً بيّنا ؟ ما الذي جعل خلافنا مؤسفاً محزنا ؟ ما الذي حلّ بنا ؟ .