كان يجيب الدعوة ولو على ظلف شاة، ولو على عظم ليس عليه إلا لحم يسير، وهو الذي سامح الأعراب في مواطن كثيرة، وقد أغلظوا عليه وألحفوا به، وأكثروا سؤاله، وطرقوا بابه، وآذوه، ما بلغ عمراً إلا وقد حطمه الناس، نظرت إليه عائشة رضي الله عنها ونظر إليه أصحابه وقد حطمه الناس، وأثر ذلك في بدنه من كثر طرق الناس وغشيانهم له، عليه الصلاة والسلام أيده الله بالمعجزات، وكفاه شر الخليقة والناس.
وذراع شاة الخيبرية ... ... أصبحت بالسم تخبره بلا أكنان
وأعاد عين قتادة فتمـ ... ... ـيزت بجمالها في وجهه العينان
وتنام عيناه وليس بغافل ... ... لكن بقلب مبصر يقظان
ودعا عليا يوم خيبراً وهو ... ... لا يستطيع حرب أرمد الأجفان
فدعا له مع تفل ريقته ... ... فلم ترمد له من بعده عينان
وهكذا يشكوا البلاد وقحطها الأعرابي إليه فيقف على المنبر ويدعوا ربه.
فيا غيث السماء ... ... هلم بالهطلان
وهكذا يقيم المطر سبعاً.
وأقام سبعاً لا يريم فجاءه ... ... شاك يخاف تهدم الحيطان
فدعا فأحدقا بالمدينة صحوها ... ... بل عن سواها الغيث ليس بوان
وجلس الناس شهراً يحدثون بالخصب يأتون من البادية يحدثون عما رأو من الخير، لما نزل قول الله: { فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين } ، قام عليه الصلاة والسلام بغاية الشجاعة يقاتل في سبيل الله، ويذب عن دين الله ويتصدى لأعداء الله، قال علي وهو الشجاع: ( لقد رأيتني يوم بدر ونحن نلوذ بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو أقربنا إلى العدو ) ، وكان من أشد الناس يومئذ باساً.
وعرى المدينة ليلة فرع فلم ... ... يسبقه ذو فرس من السرعان
ومضى يأم الصوت وهو ... ... مقلد بالسيف فوق عمرد عريان
وأتى ينادي لن تراعوا ... ... واصفا بالبحر سابق ذلك الميدان
{ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } ، أتباعه نالوا كرامة الدنيا والآخرة، وهكذا نعيش اليوم من الخير الذي جاء به، وعلى الخير الذي أتى به، صار العرب بعد ما كانوا أوباشاً أمة مهابة، بل أسقطوا أعظم دولتين في ذلك الوقت الفارس والروم، فمن كان يصدق أن أعظم ابراطوريتين في ذلك الوقت تسقطان على يد أصحابه، وهو الذي رباهم على الشجاعة والإيمان عليه الصلاة والسلام، جاء بالعدل،"وأمرت لأعدل بينكم يعدل"، لما كلموه في المخزومية وهي قرشية من جماعته أبى إلا أن يقيم حد الله فيها، وهو بالمدينة عند الأنصار، وكذلك يعدل بين زوجاته يقدم النموذج للزوج في تعامله مع الزوجات، وهو أشد حياء من العذراء في خدرها، لا يعيب طعاماً قط إن اشتهاه أكله وإلا تركه، ينهى أصحابه عن الغيبة، ويقول:"لا يبلغني أحد عن أحد شيئاً إني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر"، الله أكبر ما أعظمها من سياسة، للمدير مع الموظفين، وللرئيس مع المرؤوسين،"لا يبلغني أحد عن أحد شيئاً إني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر"، يحلم على الجاهل ويصبر على الأذى، ويتبسم في وجه محدثه ويأخذ بيد المتعلم فيعلمه، كما علم ابن مسعود التشهد وكفه بين كفيه، يغير أسم القبيح ويتفاءل للمريض، فيقول له:"لا بأس طهور إن شاء الله"، وعنده كمال الأدب ومراعاة شعور الآخرين، وعنده الحس المرهف الذي يجعله لا يتنفس في الإناء، بل يتنفس خارج الإناء وهو يشرب منه ثلاثاً عليه الصلاة والسلام، وفي كمال عفته لم يصافح امرأة أجنبية قط حتى مع قيام الداعي في البيعة، حتى في بيعة النساء ما بايعهن إلا كلاماً عليه الصلاة والسلام.
وهو الجواد فليس يمنع سائلا ... ... ما قال لا في العدم ولا في الوجدان
بادي البشاشة باسم لوفوده ... ... يهتز منه للندى العطفان
كفاه أسخى بالعطاء للمجد ... ... من وابل الغيث المسف الدان
سبعين ألفا فضها في مجلس ... ... لم يبقى منها عنده فلسان
وآتاه أعرابي ألتمس الندى ... ... أعطاه شاة ضمها جبلان
ولكان أجود ما تكون يمينه ... ... بالبر والمعروف في رمضان
وهو أخشى الناس لله، وأعبد الناس لله، يصلي ولجوفيه أزيز كأزيز المرجل من البكاء.
ولقد بكى حتى تبلل حجره ... ... وبكى فبلى الأرض بالهملان
وتلا ابن مسعود عليه ... ... سورة فهمت لذلك مدامع الأجفان
يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم من توسطه ومراعاته لحق نفسه، وحق جسده، وحق ضيفه، وحق أهله، وحق الجهاد في سبيل الله.
اللهم إنا نسألك أن تصلي وتسلم وتبارك على محمد عبدك ورسولك، اللهم صل عليه ما تعاقب الليل والنهار، اللهم صل عليه ما ضرب المسلمون الكفار، اللهم صل وسلم وبارك عليه إنك أنت السميع العليم، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه،، إنه هو الغفور الرحيم.