أخذت منه الرسل الكرام ... ... لنصره إن أدركه موافق الإيمان
وأخذ على كل نبي بعث الله عزوجل أنه إذا خرج محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام في وقت ذلك النبي، أن ذلك النبي سيبايعه ويتبعه، أخذ العهد على كل نبي مائة وأربعة وعشرون ألف نبي، بعثهم الله الرسل منهم ثلاثمائة وخمسة وستون، كما جاء في حديث أحمد عن أبي ذر مرفوعاً وهو حديث حسن في عدد الأنبياء والرسل، ما من نبي منهم ولا رسول إلا أخذ الله عليه العهد والميثاق أنه إذا خرج محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم في وقت ذلك النبي إلا وكان واجباً محتماً على ذلك النبي أن يتبعه ويكون من جنده.
يعفوا ويصفحوا لا يجازي ... ... من أتى بإساءة النائي من العدوان
لا بالغليظ الفظ السخاب ... ... في الأسواق إذ يتشاجر الخصمان
لا ينتهي حتى يقيم الملة ... ... العوجاء بالتوحيد والتبيان
يشفي القلوب الغلف والآذان ... ... من صمم ويفتح أعين العميان
وهكذا عليه الصلاة والسلام خرج نوراً للعالمين، خرج خاتماً للنبيين، ولما قامت قريش بعدائه وصاروا يسبونه ويطلقون كلمة مذمم، قال عليه الصلاة والسلام:"ألا تعجبون كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم؟ يشتمون مذمماً ويلعنون مذمماً وأنا محمد"، كان إذا سر استنار وجه حتى كأنه قطعة قمر.
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ... لمال اليتامى عصمة للأرامل
هو الرحمة، يقول عليه الصلاة والسلام:"أنا أكثر الأنبياء تبعاً يوم القيامة وأنا أول من يقرع باب الجنة"، هو أول شفيع في الجنة فضل على الأنبياء بست، كما قال لنا:"أعطيت جوامع الكلم وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً وأرسلت إلى الخلق كافة وختم بي النبيون".
وآتى بدين مستقيم واضح ... ... ظهرت شريعته على الأديان
فهدى قبائله فلم يتقبلوا ... ... بل قابلوا المعروف بالنكران
فضل الكرام المصطفين ... ... جميعهم بخصائص اجتمعت له ومعان
عما البرايا بالرسالة انسهم ... ... والجن ثمة خص بالفرقان
وهكذا بعث على رأس أربعين عليه الصلاة والسلام، طاهراً مطهراً صدوقاً أميناً، وحوضه مسيرة شهر، أكبر أحواض الأنبياء على الإطلاق، فصيح في غاية الفصاحة، حسن المنطق عليه الصلاة والسلام، أخلاق عالية، شهد له بها ربه، { وإنك لعلى خلق عظيم } ، وكان أبغض الخلق إليه الكذب، هو أحسن الناس أخلاقاً، إذا عاتب يقول:"ما له ترب جبينه إني لم أبعث لعاناً وإنما بعثت رحمة"، هكذا قال لما قيل له: يا رسول الله أدعوا على المشركين، كان يتفاءل ولا يتشاءم، ويعجبه الاسم الحسن، كان يقبل بوجهه على عدوه في الكلام حتى يظن نفسه من أحسن الناس مقاماً عنده، ويتألف قلوب المقبلين، وهكذا يحسن دعوتهم، وقال عمرو بن العاص رضي الله عنه: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل بوجه وحديثه علي حتى ظننت أني خير القوم ) ، ما خير بين أمرين إلا أختار أيسرهما ما لم يكن إثماً، ولم ينتقم عليه الصلاة والسلام لنفسه في شيء قط إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم بها، ما ضرب شيئاً بيده قط ولا امرأة ولا خادماً إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شيء من محارم الله فينتقم لله، كان إذا أتاه السائل أو صاحب الحاجة، يقول لأصاحبه فاتحاً أبواباً من الخير:"أشفعوا تؤجروا"، ويقضي الله على لسان رسوله بما شاء، بعث ليتمم صالح الأخلاق، وهو عليه الصلاة والسلام في غاية الزهد من الدنيا، يضطجع على الحصير، ويرضى باليسير، يمر الشهر والشهران وليس في بيته شيء يأكله، ذو كبد، ويهدي المسلمون إليه، والصدقة يردها.
والله أدبه فأحسن ربه ... ... تأديبه في السر والإعلان
يعفو عند الخصام، وهو عليه الصلاة والسلام في غاية التواضع كما أمره ربه بذلك، { وأخفض جناحك لمن أتبعك من المؤمنين } ، ولذلك كانت الجارية الصغيرة وهي أمه تأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم تنطلق به حيث شاءت، كان يزور الأنصار ويسلم على صبيانهم ويمسح رؤوسهم، ولا يسأل شيئاً إلا أعطاه، يأتي ضعفاء المسلمين ويزورهم، ويعود مرضاهم ويشهد جنائزهم، يتخلف عن الجيش ليزجي الضعيف ويردف ويدعوا لهم، يكثر الذكر ويطيل الصلاة، ولا يأنف ولا يستكبر أن يمضي مع الأرملة والمسكين ليقضي له حاجته، يجلس على الأرض ويأكل على الأرض، ولا يرد الطيب، كان يخصف نعله ويخيط ثوبه ويحلب شاته ويخدم نفسه، وهو عليه الصلاة والسلام نهى أن يقوم أصحابه له، وهو نبي الله إذا دخل عليهم في المجلس.
ونهى الصحابة أن يقاما له ... ... وأن يطرأ وأن يطوى له عقبان
ركب الحمار بغير سرج ... ... موكفا والليف كان له من الأرسان
وقضى اليتامى والأرامل ... ... حقهم وكذاك حاجة أعبد وقيان
وأجاب دعوة من دعا ولو ... ... أنه عبد يباع بأحقر الأثمان