فهرس الكتاب

الصفحة 4636 من 9994

نظر فهَوِيَهَا، ثم راسلها، هل إليك من سبيل؟ فقالت: لا سبيل إلا أن تتنصر وتتبرأ من الإسلام، ومن محمد -صلى الله وسلم على نبينا محمد- فأجابها، وقال -ونعوذ بالله مما قال-: هو بريء من الإسلام، ومن محمد، وتنصَّرَ وصعد إليها. لا إله إلا الله، نعوذ بالله من الحَوَر بعد الكَوَر، نعوذ بالله من الضلالة بعد الهدى، نعوذ بالله أن نردَّ على أعقابنا بعد إذ هدانا الله. المعاصي بريد الكفر، المعاصي بريد الكفر. كم من معصية جرَّت أختها وأختها وأختها، حتى كانت النهاية أن سُلب إيمان العبد، وهذا مَثَلٌ من الأمثلة. ما راع المسلمين إلا وهو عندها، فاغتمَّ المسلمون لذلك غمًّا شديدًا، وشق عليهم ذلك مشقة عظيمة، صَدْرٌ وَعَى القرآن يعود ليعبد الصُّلبان، لما كان بعد فترة مرُّوا عليه، وهو مع تلك المرأة في ذلك الحصن، عليه ذلّ الكفر وغبرته وقترته، فقالوا: يا [ابن عبد الرحيم] ما فعل علمك؟ ما فعلت صلاتك؟ ما فعل صيامك؟ ما فعل جهادك؟ ما فعل القرآن؟ فقال في حمأة ذل الكفر: أُنْسِيتُه، ما معي منه سوى آيتين، لكأنه المَعْنِيُ بهما (رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ * ذَرْهُمْ يَأكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) ولقد صار لي فيهم مال وولد؛ يعني صار منهم (رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، يا مصرِّف القلوب اصرف قلوبنا إلى طاعتك، يا رب ثبتنا على الإيمان، ونجِّنَا من سُبُل الشَّيطان. نسألك اللهم حُسْن الخاتمة؛ فهي -وربي- لحظات حاسمة. ونسأل الله لنا السعادة والفوز عند الموت بالشهادة. بادر قبل أن تُبَادَر. هل تنتظر إلا غنى مطغيًا، أو فقرًا منسيًا، أو هِرَمًا مفنِّدًا، أو موتًا مُجْهِزًا، أو الدَّجال فشَرُّ غائب ينتظر، أو الساعة، والساعة أدهى وأمَرُّ. إن أول قدم في الطريق بَذْل الروح، فإن كنت تستطيع على بذل الروح فتعال وبادر، وإلا فاذهب والْعب مع اللاعبين حتى يأتيك اليقين. بادر قبل أن تبادر، واصدق الله في توبتك، واجعلها نصوحًا خالصة؛ فإن الله يدعوك في عداد المؤمنين (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ) ويَعِد بالفلاح على ذلك فيقول: (وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)

فلو داواك كل طبيب داءٍ *** بغير كلام ربي ما شفاك

الصادق في توبته لا يزال ذنبه نصب عينيه، خائفًا منه، مُشْفِقًا، وَجِلا، باكيًا، نادِمًا مستحيًا من ربه، نَاكِسًا الرأس بين يديه، دائم التَّضَرُّع إليه، واللجوء إليه، حتى يقول عدو الله إبليس: ليتني تركتُه فلم أوقعه في ذلك الذنب.

روى [مسلم] في صحيحه: أن امرأة وقعت في كبيرة الزنى في لحظة من لحظات ضعفها، فتذكرت عظمة الله وعقابه ووعيده، فأنابت بشعور عظيم، بمرارة المعصية، وعِظَم الكبيرة، وأرادت البراءة بطريق مُتَيَقَّن لا يتطرق له أدنى احتمال، فجاءت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقالت: يا رسول الله، طهرني، فقال ويحك: ارجعي واستغفري الله، وتوبي إليه، كان يكفيها ذلك، لكنها قالت: يا رسول الله، أراك تريد أن تردني كما رددتَّ [ماعز بن مالك] ، والله إني لحُبْلَى من الزنا، فطهرني يا رسول الله، قال: أأنت؟ قالت: نعم، فقال لها: ارجعي حتى تضعي ما في بطنك، وبضعة أشهر تمرُّ وهي على خوفها ووَجَلِها وإشفاقها، ثم تضع، وتأتي بالصبي في خِرْقة، وتقول: هو ذا قد وَضَعْتُه فطهرني يا رسول الله، قال: اذهبي فأرضِعِيه حتى تفطميه -وحولان كاملان على خوفها وإشفاقها وعزمها على تطهير نفسها بالحدِّ، والحد كفَّارة كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم- فطمتْه، وأتت النبي -صلى الله عليه وسلم- بالصبي وفي يده كسرة الخبز، فقالت: هو ذا يا نبي الله، قد فطمته، وأكل الطعام، فطهرني يا رسول الله.

قلبها كأنه مهجة نِضْوٌ ببلقعةٍ *** يعتادها الضاريان؛ الذئب والأسد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت