فهرس الكتاب

الصفحة 4635 من 9994

بادر قبل أن تُبَادَر، بادر بالإقلاع عن الذنب بشعور بالألم، يقضُّ المضاجع، ويؤرِّق المنام، ويقرِّح الجفون، ويزرع في القلب الحسرة والندامة، مع عزم أَكيد على استئناف حياة صالحة نقية تقية طاهرة. بادر فإن تأخير التوبة من الذنب ذنب يحتاج إلى توبة (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآن) بادر فإن الذنب يجر إلى الذنب، فكم من ذنب صغير كانت النهاية معه بالتسويف أن يُحال بين صاحبه وبين قلبه، وقد يُسلَب إيمانه فبادر. أرأيت لو أن رجلا أُمِرَ باقتلاع شجرة باسقة، كبيرة أصولها وهو شاب، فرآها كبيرة فهابها، وقال: فلندعها إلى الغد، فلمَّا جاء الغدُ قال: لندعها إلى العام القادم، إلى الذي يليه، إلى الذي يليه، فإنه بمرور الوقت تضعف قوته ويخور، ثم لا يستطيع بعدها قلعها، فما لا تقدر عليه في الشباب لا تقدر عليه غالبًا وقت المشيب.

فمن العناء رياضة الهَرِم *** ومن التعذيب تهذيب الدِّيب

والقضيب الرطب يقبل الحَنَا فإن جفَّ وطال عليه الزَّمن صعب واستعصى، والغصن أقرب تقويمًا من الخشب وما عجزت عنه اليوم قد تكون غدًا أشد عجزًا.

فلا تُبقِ فعل الصالحات إلى غدٍ *** لعل غدًا يأتي وأنت فقيد

فبادر. يُفعل الذنب فَيَخْلَقُ الإيمان في القلب، كما يَخْلَق الثوب، ثم يُغلَّف بالرَّان فيذبل، ثم يقسو (فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم من ذِكْرِ اللهِ) ثم يموت، وعندها يُحْرم الإنسان لذَّة مناجاة الله، فعباداته بعد ذلك آليَّة لا روح فيها، لا تزكِّي نفسه، ولا تطهِّر رجْسَه، تلك عقوبة وبلية أي بلية، ثم ينسى القرآن إن كان معه شيء من القرآن، ثم يَهْمِل الاستغفار، ثم يحرص على الذنب مع عدم التلذذ به، كلما حاول أن يعود أُرْكِسَ في ذنبه مع همٍّ وغمٍّ وحزن وخوف وذلٍّ لا يفارقه، أبى الله إلا أن يذلَّ مَنْ عصاه.

ذكر الحافظ [ابن كثير] -رحمه الله- في البداية، في حوادث سنة ثماني وسبعين ومائتين ما يلي بتصرف، قال: وفيها توفي [ابن عبد الرحيم] -قبَّحه الله- هذا الشقي، كان من المجاهدين كثيرًا في بلاد الروم، فلمَّا كان في بعض الغزوات، والمسلمون يحاصرون بلدة من بلاد الروم؛ إذ نظر إلى امرأة من نساء الروم في ذلك الحصن، ما غضَّ بصره، والله يقول: (قُل للْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِن اللهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) أتْبَع النَّظْرة النظرة، والنظرة سهم مسموم من سهام إبليس، كم نظرة ألقت في قلب صاحبها البلابل والآلام والحسرات.

كان كمن أدخل في جحر يدا *** فأخطأ الأفعى ولاقى الأسْوَدَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت