دفع الصبي إلى رجل من المسلمين، ثم أُمِر بها فَحُفِر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها، فكان فيمن رجمها [خالد] -رضي الله عنه وأرضاه- فتنضَّخ الدم على وجه خالد، فسبَّها وشتمها، فسمعه النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: مهلا يا خالد، فو الذي نفس محمد بيده، لقد تابت توبة لو قُسِّمت على أمة لوسعتهم، لقد تابت توبة لو تابها صاحب مَكسٍ لغُفِرَ له. ما ضرها؟ وكأن الذنب لم يكن، وقد بقيَ لها صدقها، وثناء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عليها وعلى توبتها، وعملها الصالح، وبقي لها شرف الصحبة، والذي لا إله إلا هو لو سجد أحدنا حتى ينكسر صلبه ما بلغ منزلتها؛ إذ هي منزلة الصحبة وكفى بها من منزلة. بقي لها فوق ذلك صلاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عليها، ودفنه لها، فرضي الله عنها وأرضاها.
بالصدق زكى الأصل فطاب الفرع *** وطاب المولد فزكى المَحْتِد
فنبِّه فؤاداك من رقدة *** فإن الموفَّق مَن ينتبه
وإن كنتُ لم أنتبه بالذي *** وُعِظْتُ به فانتبه أنت به
بادر قبل أن تُبَادَر، ولا تيأس ولا تقنط وإن عَظُم الذَّنْب (إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رحْمَةِ اللهِ إِن اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) في صحيح [مسلم] قال -صلى الله عليه وسلم-:"إن لله مائة رحمة، أنزل منها رحمة واحدة بين الجن الإنس، والبهائم والهَوَام، فبها يتعاطفون، وبها يتراحمون، حتى ترفع الدَّابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه، فإذا كان يوم القيامة أكملها الله بهذه الرحمة، حتى إن الشيطان ليتطاول، يظن أن رحمة الله ستسعه في ذلك اليوم"
فيا رب ارأف بعين حرمت طِيب الكَرَى تشكو ودمع المقلتين قد جرى
في صحيح مسلم من حديث عمر بن الخطاب أنه قال:"قدم على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سَبيٌ، فإذا امرأة من السبي تبتغي وليدًا لها، وتسعى، حتى إذا وجدت صبيًا أخذته، ألصقته ببطنها، أرضعته، فقال لنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أترون هذه طارحة ولدها في النار؟ قلنا: لا والله، وهي تقدر على ألاَّ تطرحه يا رسول الله، فقال -صلى الله عليه وسلم-: لله أرحم بعباده من هذه بولدها"لا إله إلا هو. هو الغني بذاته، سبحانه جلَّ ثناؤه، تعالى شأنه، العفو أحب إليه من الانتقام، والرَّحمة أحب إليه من العقوبة، سبقت رحمته غضبه، وحلمه عقوبته، الفضل أحب إليه من العدل، والعطاء أحب إليه من المنع، لا إله إلا هو. يورد [ابن القيم] -رحمه الله- عن بعض العارفين أنه رأى في بعض السكك بابًا قد فتح وخرج منه صبي يستغيث ويبكي، وأمه خلفه تطرده، حتى خرج، فأغلقت الباب في وجهه ودخلت، فذهب الصبي غير بعيد، ثم وقف مفكِّرًا، فلم يجد مأوى غير البيت الذي أُخْرِج منه، ولا مَنْ يئويه غير والدته، فرجع مكسور القلب حزينًا، فوجد الباب مُرْتَجًا مُغْلَقًا، فتوسَّدَه ووضع خدَّه على عتبة الباب، ونام، فخرجت أمه، فلمَّا رأته على تلك الحال لم تملك أن رَمَت بنفسها عليه، والْتزمته، تُقبِّله وتبكي، وتقول: يا ولدي؛ أين تذهب عني؟ من يئويك سواي؟ أين تذهب عني؟ من يئويك سواي؟ ألم أقل لك لا تخالفني؟ ولا تحملني بمعصيتك على خلاف ما جُبلت عليه من الرحمة بك، والشفقة عليك، وإرادة الخير لك؟ ثم ضمَّتْه إلى صدرها، ودخلت به بيتها، فتأمل قولها: لا تحملني بمعصيتك على خلاف ما جُبِلتُ عليه من الرحمة بك، والشفقة عليك، وتأملْ قوله -صلى الله عليه وسلم-:"لَلَّهُ أرحم بعباده من الوالدة بولدها". فأين تقع رحمة الوالدة من رحمة الله التي وسعت كل شيء. رحمة الله هل تُنال بالتواني والكسل، أم بالجدِّ والعمل؟ لمن كتبها الله؟ اسمعوا معشر المؤمنين إلى قول الله: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيل) إنها للعاملين، كتبها الله للعاملين، لا للخاملين البطَّالين.
أتخطب الحور لم تهد الصَدَاق لها *** ولم تقدم لها عقدًا ولا قِرْطًا
أم تشترى الخلد بالمغشوش من عملٍ *** وسلعة الله لا تُشرى بما خُلِطَا