قال ابن إسحاق: ولما أصيب القوم قال رسول الله -فيما بلغني-:"أخذ الراية زيد بن حارثة فقاتل بها حتى قتل شهيدًا، ثم أخذها جعفر فقاتل بها حتى قتل شهيدًا"؛ قال: ثم صمت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى تغيرت وجوه الأنصار، وظنوا أنه قد كان في عبد الله بن رواحة بعض ما يكرهون، ثم قال:"ثم أخذها عبد الله بن رواحة فقاتل بها حتى قتل شهيدًا"؛ ثم قال:"لقد رفعوا إليّ في الجنة، فيما يرى النائم، على سرر من ذهب، فرأيت في سرير عبد الله بن رواحة ازورار13عن سريري صاحبيه فقلت: عم هذا ؟ فقيل لي: مضيا وتردد عبد الله بعض التردد، ثم مضى".14
وعند البخاري عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نعى زيدًا وجعفرًا وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم فقال:"أخذ الراية زيد فأصيب ثم أخذ جعفر فأصيب ثم أخذ ابن رواحة فأصيب وعيناه تذرفان حتى أخذ سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم"
الرسول -صلى الله عليه وسلم- يبكي على جعفر:
قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر، عن أم عيسى الخزاعية، عن أم جعفر بنت محمد بن جعفر بن أبي طالب، عن جدتها أسماء بنت عميس، قالت: لما أصيب جعفر وأصحابه دخل عليّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقد دبغت أربعين منًّا- قال ابن هشام: ويروى أربعين منيئة- وعجنت عجيني، وغسلت بنيّ ودهنتهم ونظّفتهم. قالت: فقال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:"ائتيني ببني جعفر"؛ قالت: فأتيته بهم، فتشممهم وذرفت عيناه، فقلت: يا رسول الله ، بأبي أنت وأمي، ما يبكيك؟ أبلغك عن جعفر وأصحابه شيء؟ قال:"نعم ، أصيبوا هذا اليوم". قالت: فقمت أصيح، واجتمعت إلي النساء، وخرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى أهله، فقال:"لا تغفلوا آل جعفر من أن تصنعوا لهم طعامًا، فإنهم قد شغلوا بأمر صاحبهم".
قال ابن إسحاق: حدثني عبد الرحمن بن القاسم بن محمد عن أبيه عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت لما أتى قتل جعفر عرفنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم الحزن قالت فدخل عليه رجل فقال يا رسول الله إن النساء قد غلبننا وفتننا قال فارجع إليهن فأسكتهن قال فذهب ثم رجع فقال له مثل ذلك قال يقول وربما ضر التكلف أهله قال فاذهب فأسكتهن فإن أبين فاحث في أفواههن التراب قالت قلت في نفسي أبعدك الله فوالله ما تركت نفسك وما أنت بمطيع رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت عرفت أنه لا يقدر على أن يحثو في أفواههن التراب.15
الرسول يلتقي بالأبطال:
قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير، قال: لما دنوا من حول المدينة تلقاهم رسول الله والمسلمون. قال: ولقيهم الصبيان يشتدون، ورسول الله مقبل مع القوم على دابة، فقال:"خذوا الصبيان فاحملوهم، أعطوني ابن جعفر"، فأتي بعبد الله فأخذه فحمله بين يديه. قال: وجعل الناس يحثون على الجيش التراب، ويقولون: يافرّار، فررتم في سبيل الله! قال: فيقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:"ليسوا بالفُرّار، ولكنهم الكُرار -إن شاء الله تعالى-".
الفوائد والعبر المستفادة من غزوة مؤتة:
1-جواز الإعلام بموت الميت، ولا يكون ذلك من النعي عنه، وفيه جواز تعليق الإمارة بشرط وتولية عدة أمراء على الترتيب، واختيار الإمام مقدم على غيره؛ لأنه أعرف بالمصلحة العامة، وفيه جواز التأمر في الحرب بغير تأمير.
قال الطحاوي -رحمه الله-:
هذا أصلٌ يُؤخذ منه أنَّ على المسلمين أنْ يقدّموا رجلًا إذا غاب الإمام يقوم مقامه إلى أنْ يحضر، وفيه جوازُ الاجتهاد في حياة الرسول -صلى الله عليه وسلم- ، وفيه علم ظاهر من أعلام النبوة، وفضيلة ظاهرة لخالد بن الوليد-رضي الله عنه- ولمن ذُكر من الصحابة.
2-مشروعية توديع المسافر إلى سفر صالح كالجهاد، والحج، ونحوهما.
3-عظم خشية عبد الله بن رواحة وخوفه النار.
4-بيان حقيقة كشف عنها ابن رواحة وهي أن المسلمين لا يقاتلون بعدد ولا قوة، وإنما يقاتلون بالدين فإن كانوا صالحين مستقيمين انتصروا، وإلا انكسروا.
5-مشروعية مخاطبة النفس وترويضها على الطاعات.
6-آيات النبوة المحمدية تتجلى في إخبار النبي أهل المدينة بسير المعركة ووصفه لها كأنه يديرها ويشاهد سير القتال فيها، ولم يخطئ في شئ منها ولو قل، ولم يكن يومئذ أخبار سلكية ولا لاسلكية، ولا عرض تلفاز، ولا فيديو فكان إخباره أعظم آية على أنه رسول الله يتلقى الوحي من الله -عز وجل-.
7-بيان فضل خالد، وسبب تلقبه بسيف الله.
8-بيان تألم رسول الله لموت الأمراء وخاصة جعفر بن أبي طالب -رضي الله عنهم أجمعين-.
9-مشروعية صنع الطعام لأهل الميت لانشغالهم بالمصيبة وحزنهم على فقيدهم، وأن أول طعام صنع لهذا الغرض هو ما أمر بصنعه الرسول -صلى الله عليه وسلم-لآل جعفر، فكان سنة قولية عملية.
10-مشروعية حمل الطفل الصغير وشمه وتقبيله رحمة به وشفقة عليه.16وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.. والحمد لله رب العالمين .
1 -صحيح البخاري ، كتاب المغازي، غزوة مؤتة إلى الشام، رقم (4261) .
2 -في تاريخ الطبري ( 3/ 37) "أرشدك الله". وفي تاريخ الإسلام"المغازي""يا أرشد الله".
3 -انظر الأبيات في: تاريخ الطبري (3/ 37) ، والمغازي (204، 205) ، والبداية والنهاية (4/ 242) .
4 -معان: مدينة في طرف بادية الشام تلقاء الحجاز من نواحي البلقاء. ( معجم البلدان 5/ 153) .
5 -في تاريخ الطبري 3/ 38"من آجم قرح".
6 -أجأ: أحد جبلي طيء والجبل الآخر سُلمى. وفرع: مكان بأجأ. تُغر: تطعم مرة بعد أخرى ، والعكوم: جمع عكم وهو الجب.
7 -سنن أبي داود 3/ 29 كتاب الجهاد رقم (2573) باب في الدابة تعرقب في الحرب.
8 -تاريخ الطبري 3/ 39، نهاية الأرب 17/ 280.
9 -والقصة بنحوها كذلك في الطبقات الكبرى لا بن سعد 2/ 129.
10 -النطفة الماء القليل الصافي. الشنة: السقاء البالي، ضرب بذلك مثلا بقصر العمر.
11 -ديوان ابن رواحة 87، وتاريخ الطبري 3/ 40. ونهاية الأرب 17/ 281.
12 -سيرة ابن هشام: 3/ 11- 19.
13 -الازورار: الميل.
14 -قال الهيثمي في مجمع الزوائد 6/ 160 رواه الطبراني ورحاله ثقات. وضعفه الألباني في تخريجه فقه السيرة، وانظر الطبقات لابن سعد 2/ 130 ، ونهاية الأرب 17/ 282، وتاريخ الإسلام ( المغازي) .
15 -أخرجه أحمد في مسنده برقم (25159) . والنسائي وصححه الألباني.
16 -راجع:"هذا الحبيب محمد -صلى الله عليه وسلم- يا محب"للشيخ أبي بكر الجزائري-حفظه الله- (387- 388 ) .