فهرس الكتاب

الصفحة 462 من 9994

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.. أما بعد:

لقد كانت غزوة مؤتة من أول المعارك التي التقى فيها المسلمون مع الروم، ولقد كانت الروم آنذاك أقوى قوة ولم يفكر أحد من العرب في مقاومتها أو الدخول معها في حرب مباشرة.

ولم يكن ليدخل المسلمون معهم في حرب لولا ما صُنع برسول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

ذلك أنه بعث الحارث بن عمير بكتاب إلى ملك الروم -أو بُصرى- فعرض له شرحبيل بن عمرو الغساني فقتله!.

قال الواقدي في المغازي: بعث رسول الله الحارث بن عمير الأزدي إلى ملك بصرى بكتاب، فلما نزل مؤتة عرض له شرحبيل بن عمرو الغساني فقال: أين تريد؟ قال: الشام. قال: لعلك من رسل محمد؟ قال: نعم، أنا رسول رسول الله. فأمر به فأوثق رباطًا، ثم قدمه فضرب عنقه صبرًا. ولم يقتل لرسول الله رسول غيره، فبلغ رسول الله الخبر فاشتد عليه، وندب الناس وأخبرهم بمقتل الحارث ومن قتله، فأسرع الناس وخرجوا فعسكروا بالجُرف، ولم يبين رسول الله الأمر، فلما صلى الظهر جلس وجلس أصحابه، فقال:"زيد بن حارثة أمير الناس، فإن قتل زيد بن حارثة فجعفر بن أبي طالب على الناس، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة على الناس"1. فلما أجمعوا المسير وقد عقد رسول الله لهم اللواء ودفعه إلى زيد بن حارثة -لواء أبيض- مشى الناس إلى أمراء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يودعونهم ويدعون لهم، وجعل المسلمون يودع بعضهم بعضًا والمسلمون ثلاثة آلاف، فلما ساروا من معسكرهم نادى المسلمون: دفع الله عنكم وردكم صالحين غانمين. فلما ودعهم عبد الله بن رواحة بكى؛ فقالوا: ما يبكيك يا ابن رواحة؟ فقال: أما والله ما بي حب الدنيا ولا صبابة بكم، ولكني سمعت رسول الله يقرأ آية من كتاب الله -عز وجل- يذكر فيها النار: {وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا} سورة مريم:71. فلست أدري كيف لي بالصدور بعد الورود؛ فقال المسلمون: صحبكم الله ودفع عنكم، وردكم إلينا صالحين؛ فقال عبد الله بن رواحة:

لكنني أسأل الرحمن مغفرةً وضربة ذات فرع تقذف الزبدا

أو طعنة بيدي حران مجهزة بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا

حتى يقال إذا مروا على جدثي يا أرشد الله2 من غاز وقد رشد3

وخرج النبي -صلى الله عليه وسلم- مشيعًا لأهل مؤتة حتى بلغ ثنية الوداع، فوقف ووقفوا حوله فقال:"اغزوا بسم الله، فقاتلوا عدو الله وعدوكم بالشام، وستجدون فيها رجالًا في الصوامع معتزلين للناس فلا تعرضوا لهم، وستجدون آخرين للشيطان في رؤوسهم مفاحص فاقلعوها بالسيوف، ولا تقتلن امرأة ولا صغيرًا مرضعًا، ولا كبيرًا فانيًا، لا تغرقن نخلًا، ولا تقطعن شجرًا، ولا تهدموا بيتًا".

ومضى المسلمون من المدينة، حتى نزلوا معان4 من أرض الشام، فبلغ الناس أن هرقل قد نزل مآب، من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم، وانضم إليهم من لخم، وجذام، والقين، وبهراء، وبلي، مائة ألف منهم، عليهم رجل من بلي، يقال له: مالك بن زافلة. فلما بلغ ذلك المسلمين أقاموا على معان ليلتين يفكرون في أمرهم وقالوا: نكتب إلى رسول الله فنخبره بعدد عدونا، فإما أن يمدنا بالرجال، وإما أن يأمرنا بأمره، فنمضي له. فبينا الناس على ذلك من أمرهم جاءهم ابن رواحة فشجعهم ثم قال: يا قوم، والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة! ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين إما ظهور وإما شهادة. قال: فقال الناس: قد -والله- صدق ابن رواحة. فمضى الناس، فقال عبد الله بن رواحة في محبسهم ذلك:

جلبنا الخيل من أجإ وفرع5 تغر من الحشيش لها العكوم6

حذوناها من الصوان سبتًا أزل كأن صفحته أديم

أقامت ليلتين على معان فأعقب بعد فترتها جموم

فرحنا والجياد مسومات تنفس في مناخرها السموم

فلا وأبي مآب لنأتينها وإن كانت بها عرب وروم

فعبأنا أعنتها فجاءت عوابس والغبار لها بريم

بذي لجب كأن البيض فيه إذا برزت قوانسها النجوم

فراضية المعيشة طلقتها أسنتها فتنكح أو تئيم

قال ابن إسحاق: ثم مضى الناس، فحدثني عبد الله بن أبي بكر أنه حدث عن زيد بن أرقم، قال: كنت يتيمًا لعبد الله بن رواحة في حجره، فخرج بي في سفره ذلك مُردفي على حقيبة رَحله، فوالله إنه ليسير ليلة إذ سمعته وهو ينشد أبياته.

لقاء الروم وحلفائهم:

قال ابن إسحاق: فمضى الناس، حتى إذا كانا بتخوم البلقاء لقيتهم جموع هرقل، من الروم والعرب، بقرية من قرى البلقاء يقال لها مشارف، ثم دنا العدو، وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها مؤتة، فالتقى الناس عندها، فجعلوا على ميمنتهم رجلًا من بني عذرة، يقال له: قطبة بن قتادة، وعلى ميسرتهم رجلًا من الأنصار يقال له عباية بن مالك.

مقتل زيد بن حارثة:

قال ابن إسحاق: ثم التقى الناس واقتتلوا، فقاتل زيد بن حارثة براية رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- حتى شاط في رماح القوم.

مقتل جعفر:

ثم أخذها جعفر فقاتل بها، حتى إذا ألحمه القتال اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها ثم قاتل القوم حتى قتل. فكان جعفر أول رجل من المسلمين عقر في الإسلام.

قال ابن إسحاق: وحدثني يحي بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عباد، قال حدثني أبي الذي أرضعني وكان أحد بني مرة بن عوف، وكان في تلك الغزوة غزوة مؤتة قال: والله لكأني أنظر إلى جعفر حين اقتحم عن فرس له شقراء، ثم عقرها ثم قاتل حتى قتل7 وهو يقول:

يا حبذا الجنة واقترابها طيبة وبارد شرابُها

والروم روم قد دنا عذابُها كافرة بعيدة أنسابُها

علي إذ لاقيتها ضرابُه8

قال ابن هشام: وحدثني من أثق به من أهل العلم: أن جعفر بن أبي طالب أخذ اللواء بيمينه فقطعت، فأخذه بشماله فقطعت، فاحتضنه بعضديه حتى قتل -رضي الله عنه- وهو ابن ثلاثين سنة، فأثابه الله بذلك جناحين في الجنة يطير بهما حيث شاء. ويقال: إن رجلًا من الروم ضربه يومئذٍ ضربة، فقطعه نصفين9.

مقتل عبد الله بن رواحة:

قال ابن إسحاق: فلما قتل جعفر أخذ عبد الله بن رواحة الراية، ثم تقدم بها، وهو على فرسه، فجعل يستنزل نفسه، ويتردد بعض التردد، ثم قال:

أقسمت يا نفس لتنزلنه لتنزلن أو لتكرهنه

إن أجلب الناس وشدوا الرنّة مالي أراك تكرهين الجنة

قد طال ما قد كنت مطمئنة هل أنت إلا نطفة في شنه10

وقال أيضًا:

يا نفس إلا تقتلي تموتي هذا حِمام الموت قد صليت

وما تمنيت فقد أعطيت إن تفعلي فعلهما هديت11

ثم نزل فأتاه ابن عم له بعرق من لحم، فقال: شد بهذا صلبك فإنك لقيت في أيامك هذه ما لقيت. فأخذها فانتهس منها نهسة ثم سمع الخطمة في ناحية الناس. فقال وأنت في الدنيا؟ فألقاها من يده وتقدم، فقاتل حتى قتل.

إمارة خالد:

ثم أخذ الراية ثابت بن أقرم أخو بني العجلان، فقال: يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجل منكم، قالوا: أنت، قال: ما أنا بفاعل. فاصطلح الناس على خالد بن الوليد، فلما أخذ الراية دافع القوم، ثم انحاز وانحيز عنه، حتى انصرف بالناس.12

الرسول -صلى الله عليه وسلم- يتنبأ بما حدث:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت