إن الصناعة اليوم من أعظم وسائل التقدم والقوة، ولأن الله قال لنا: { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة } ، كان لا بد لنا من الأخذ بذلك، فإن الأسلحة اليوم تقوم على الصناعة، وكذلك،، الإمدادات العظيمة والمراكب الضخمة الكبيرة، وهذه الوسائل اللازمة اليوم للتفوق والتقدم والتطور، إنما تقوم على الصناعة وقد علمنا الله في كتابه كيف ينقل القوم أصحاب البطالة إلى عالم الصناعة، يتحدثوا الناس اليوم عن البطالة وحل البطالة، ويقولون إن هنالك بطالة عظيمة، وهذه البطالة التي فيها النسب الكبيرة، والأعداد الهائلة، وهي من أسباب الجرائم، ونحو ذلك من الضعف والوهن الذي يصيب الأمة، وأن يكون بعض الناس أذلاء يمدون أيدهم، أو أنهم يتحولون إلى مجرمين يقومون بأنواع السطو والسرقة، وكثير من المسلمين اليوم في الحقيقة بطالة وعالة، وعندما يكون أكثر هؤلاء من الشباب فتكون المشكلة أيضاً عظيمة للغاية، هذه الصناعة التي جاء نقل أهل البطالة إليها في القرآن الكريم على يد ذي القرنين، الملك الصالح رحمه الله، { ويسألونك عن ذي القرنين قل سألت عليكم منه ذكراً } ، ذكر الله في رحلته، { حتى إذا بلغ بين السدين } ، وهما جبلان عظيمان مرتفعان أملسان كما قال أهل العلم: وسمي الجبل سداً لأنه يسد فجاج الأرض وفراغها، { حتى إذا بلغ بين السدين وجد } ، أي: ذو القرنين ومن معه من جيشه المسلم، العرمرم، المكتسح، المجاهد في سبيل الله، { وجد من دونهما } ، من دون السدين من ورائهما، وقيل أمامهما، { وجد من دونهما قوماً لا يكادون يفقهون قولاً } ، قوم ضياع فقراء، أهل بطالة ضعفاء، لا يفهمون، لا يكادون يعقلون، لا يكادون يفقهون قولاً، مظلومون مضطهدون، من الذي يعتدي عليهم؟ يأجوج ومأجوج، المفسدون في الأرض. استغاثوا بذي القرنين لما رأوا أمامهم جيشاً وقوةً، قالوا: { يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض } ، وهذا معروف، ما هو المطلوب؟، { إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجاً } ، يتوسلون، يتمنون، ويطلبون، { فهل نجعل لك خرجاً } ، يعني: جعلاً وأجراً ومقابلاً مالاً، { على أن تجعل بيننا وبينهم سداً } ، فلا يتمكنون من العبور إلينا ومن قتلنا، ونهب أموالنا، { فهل نجعل لك خرجاً على أن تجعل بيننا وبينهم سداً } ، لكن الملك الصالح، والقائد المسلم، الموحد الفاتح، هو في غنى عن هذه الدنيا، فقال: { ما مكني فيه ربي خير } ما بسطه لي من الملك والمال، وأسباب القوة، خير من الخراج الذي تريدون أن تعطونني إياه، والصالحون أقوالهم تتطابق عبر العصور، فهذا يطابق قول سليمان عليه السلام، لما جاءه وفد بلقيس بالهدية العظيمة، قال: { أتمدونني بمال فما آتاني الله خير مما أتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون أرجع إليهم } ، إذن الأقوياء لا يأكلون الضعفاء، وكذلك الدول القوية يجب أن لا تأكل الدول الضعيفة، إن ذا القرنين علمهم الصنعة والتقنية، ولم ينهب ثرواتهم وأموالهم، والمواد الخام التي عندهم بسبب جهلهم، كما تفعل الدول القوية اليوم في نهب ثروات الدول الضعيفة، وسرقة أو أخذ المواد الخام التي لديها مما لا تعرف بسبب تخلفها، كيف تستفيد منها؟، تأخذه بأبخس الأثمان، وتقرض بالفوائد المركبة لتنهب بقية الثروة التي لم تنهب بعد، ولكي تركع هذه الدول الضعيفة عشرات ومئات السنين، بل إن على بعض الدول من الديون المركبة ما قد لا يمكن وفاءه قبل قيام الساعة، { أتمدونني بمال } ، لا نسألكم خرجاً، لا يريد منهم أجراً ولذلك قال: { ما مكني فيه ربي خير } ، ثم بدأت الخطة، بدأت الخطة المدهشة { فأعينوني } ، فأعينوني، هل يحتاج ذو القرنين ومن معه إلى الإعانة ومعه الجيش العظيم، لكن يريد أن يزرع في نفوسهم الثقة بالقدرة على العمل، فأعينوني كلمة عظيمة بقوة، أي: أريد منكم نشاطاً وجلداً وليس كسلاً وسحباً للأرجل، { فأعينوني بقوة } ، استنهاض للعمل إنها الحكمة والله،، والإدارة الناجحة فأعينوني أنتم تستطيعون أن تقدموا شيئاً وأن تعاونوا بقوة، أنهضوا وبجد ونشاط فإذا فعلتم ذلك فهناك محفز لكي يفعلوا وهو { أجعل بينكم وبينهم ردماً } ، حاجزاً حصيناً وحجاباً عظيماً، فأوجد المحفز لهم على العمل أيضاً، وأن المقابل ما يتمنونه وما أرادوه من هذا الحاجز العظيم، ردماً بعضه فوق بعض، لأن الردم وضع الشيء على الشيء ثم بعد انبعاث النفوس للعمل والتطلع وشحذ الهمم وأن المتمني سيحدث إذا عملوا إذا بذلوا، وضح الخطة خطة العمل وعلم القوم التقنية، { آتوني زبرا الحديد } ، ناولوني الزبر، الزبر جمع زبرة وهي القطعة الكبيرة، أجمعوا قطع الحديد إذن { آتوني زبرا الحديد } ، آتوني زبرا الحديد لكي يرص بعضها فوق بعض، { حتى إذا ساوى بين الصدفين } ، ولاحظ أن الشرح يتوافق مع العمل، فكلما أنجزوا مرحلة شرح لهم المرحلة التي بعدها، وما هو المطلوب؟ لأن تفهيم العمال الخطة حتى تكون واضحة عندهم هو إنجاز بحد ذاته، لأن القوم أصلاً لا يكادون يفقهون قولاً،