فقد يكون في علم الله جل وعلا أن هؤلاء لو انتصروا فلن يقوموا بتكاليف الانتصار، من إقامة حكم الله والأمر المعروف والنهي عن المنكر، وهذا يفهم من قول الله تعالى:
( وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) .
8-توافر أسباب النصر للداعية وليس للمدعوين.
فقد تتوافر أسباب النصر للداعية، ولكن هناك موانع يعلمها الله تتعلق بالمدعوين كعدم تقدير الله هدايتهم وهذا يفهم من قوله سبحانه:
(أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً) .
والسبب هنا ليس تقصير الداعية، ولكن لحكمة يعلمها سبحانه وتعالى.
وأيضا قد يكون انتصار الداعية بعد وفاته أعظم من انتصاره في حياته، لأن المراد انتصار الدعوة وانتصار المنهج، أما الأشخاص فكما قال صاحب القرية: (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ) .
9-من الأسباب أن تأخر النصر فيه ابتلاء وتمحيص وامتحان للدعاة.
(أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) .
نعم الابتلاء والامتحان: (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ) .
إذا هذه بعض الأسباب التي قد تمنع أو تأخر النصر الظاهر، فلا نيأس ولا نقنط...
إذا ونحن نتحدث عن مفهوم الانتصار، ذكرت لكم أن من الآثار التي تحدث عند الخلط في مفهوم حقيقة الانتصار هو الانحراف عن المنهج ومن ذلك التنازل.
ولأهمية هذه القضية سأقف معها بضع دقائق، رأينا عددا من الدعاة لا نشك في إخلاصهم ولا في صدقهم ولا في حماسهم ولا في غيرتهم في أنحاء العالم الإسلامي، وحرصا منهم على تحقق النتائج وعلى ظهور دين الله، وعندما استبطئوا النصر، وعندما استبطئوا تحقق هذه النتائج بدئوا يقدمون التنازلات تلو التنازلات ويتصورن أن هذا من المنهج الذي قد طولبوا به.
فرأينا مثلا من يميع قضية العقيدة، ويقول: لو أنني طرحت عقيدة أهل السنة والجماعة فقد يتفرق الأتباع، فحرصا على وحدة الأتباع تميع قضية العقيدة.
نعم والواحدة مطلوب شرعي ولكن على أسس شرعية.
فتجد أن لديهم حساسية مفرطة أو موانع من طرح قضية عقيدة أهل السنة والجماعة، وأذكر لكم مثالين:
المثل الأول أو القصة الأولى:
يحدثنا بها منذ أيام أحد الأخوة ممن نحسبه والله حسيبه حريصا بل ومتخصصا في العقيدة، يقول أنه جاءه شاب من الشباب يسأله: قال يا شيخ هل العقيدة مهمة؟
فيقول ذهلت من السؤال، هل العقيدة مهمة، ماذا يبقى إذا لم تكن العقيدة مهمة.
فيقول الشاب أنه يرى من لا يهتم بالعقيدة ممن يوجهنا ويدعونا، وآخر ما يفكرون فيه هو موضوع العقيدة، ومنهج أهل السنة والجماعة، وأراكم أنتم تركزون على العقيدة وعلى منهج أهل السنة والجماعة.
المثل الثاني:
وهو عندما قامت دولة الرافضة، سارع كثير من الدعاة -هداهم الله- في أنحاء العالم الإسلامي إلى تأييدها وأنها دولة إسلامية، فجاء بعض المخلصين الصادقين من الدعاة وقالوا لهم اتقوا الله.
وأذكر ن أحد الأحباب ناقش رجلا من هؤلاء وقال له:
يا أخي كيف تؤيدون هذه الدولة الرافضية ؟
قال: دولة رفعت الإسلام علينا أن نؤيدها وهذه أسقطت الشاه، وبدا يعدد مزاياها.
فقال له الأخ: هذه دولة رافضية وتعرف منهج الرافضة وأصول الرافضة.
قال: يا أخي اتركنا من العقيدة الآن.
إذا إذ تركنا العقيدة الآن فمتى تكون؟
الدخول في البرلمانات، ولا أريد التفصيل فيها ولكن أقول إذا كان الدخول في البرلمان يقتضي التنازل عن المنهج، يقتضي إقرار الظالمين على ظلمهم والاعتراف بحكم الجاهلية فلا يجوز أبدا.
إذا كانت المسألة تقبل المسومة في دين الله فهذا لا يجوز أبدا.
أحبتي في الله، مصلحة الدعوة حمّلت أكثر مما تحتمل.
سورة الكهف أرجعوا إلى تفسيرها، وكما ذكر العلماء في سبب النزول أن كبار المشركين جاءوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وقالوا نحن نريد أن نستمع منك ونجلس معك، لكن لنا شرط واحد، ما هو شرطكم؟ قالوا: شرطنا أن إذا جئنا إليك وجلسنا معك أن لا يجلس معنا هؤلاء الضعفاء أمثال صهيب وبلال وأمثالهم.
إذا مادام أن مصلحة الدعوة تقتضي ذلك، فيا صهيب ويا بلال حرصا على الإسلام ودعوة هؤلاء إذا جاءوا قوموا. هذا في نظرة الذين يحمّلون مصلحة الدعوة أكثر مما تحتمل.
فبماذا تتنزل الآيات: