وقال الطبري:"وأما قوله عز وجل: {وَيُنَزّلُ عَلَيْكُم مّن السَّمَاء مَاء لّيُطَهّرَكُمْ بِهِ} ، فإن ذلك مطرٌ أنزله الله من السماء يوم بدر ليطهر به المؤمنين لصلاتهم، لأنهم كانوا أصبحوا يومئذ مجنبين على غير ماء. فلما أنزل الله عليهم الماء اغتسلوا وتطهروا، وكان الشيطان قد وسوس إليهم بما حزنهم به من إصباحهم مجنبين على غير ماء، فأذهب الله ذلك من قلوبهم بالمطر. فذلك ربطه على قلوبهم، وتقويته أسبابهم، وتثبيته بذلك المطر أقدامهم؛ لأنهم كانوا التقوا مع عدوهم على رملة ميثاء، فلبَّدها المطر، حتى صارت الأقدام عليها ثابتة لا تسوخ فيها، توطئةً من الله عز وجل لنبيه عليه السلام وأوليائه أسباب التمكن من عدوهم والظفر بهم".
وقال ابن القيم:"فأنزل الله عز وجل في تلك الليلة مطراً واحداً، فكان على المشركين وابلاً شديداً منعهم من التقدم، وكان على المسلمين طلاً طهرهم به، وأذهب عنهم رجس الشيطان، ووطأ به الأرض، وصلَّب به الرمل، وثبت الأقدام، ومهَّد به المنزل، وربط به على قلوبهم".
8-الغرق:
1-الله تعالى: {وَنُوحاً إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ * وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِئَايَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْء فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ} [الأنبياء:76، 77] .
قال الطبري:"يقول تعالى ذكره: واذكر يا محمد نوحاً إذ نادى ربه من قبلك، ومن قبل إبراهيم ولوط، وسألنا أن نهلك قومه الذين كذبوا الله فيما توعدهم به من وعيده، وكذبوا نوحاً فيما أتاهم به من الحقّ من عند ربه، {وَقَالَ نُوحٌ رَّبّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً} ، فاستجبنا له دعاءه، ونجيناه وأهله، يعني بأهله أهل الإيمان من ولده وحلائلهم، {مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ} [الصافات:76] ، يعني بالكرب العظيم العذاب الذي أحل بالمكذبين من الطوفان والغرق والكرب شدّة الغم... وقوله: {وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِئَايَاتِنَا} [الأنبياء:75] ، يقول: ونصرنا نوحاً على القوم الذين كذبوا بحججنا وأدلتنا، فأنجيناه منهم، فأغرقناهم أجمعين".
2-ل تعالى: {وَأَنجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ} [الشعراء:65، 66] .
قال الطبري:"يقول تعالى ذكره: وأنجينا موسى مما أتبعنا به فرعون وقومه من الغرق في البحر، ومن مع موسى من بني إسرائيل أجمعين، وقوله: {ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ} يقول: ثم أغرقنا فرعون وقومه من القبط في البحر، بعد أن أنجينا موسى منه ومن معه".
وقال ابن كثير:"أي: أنجينا موسى وبني إسرائيل ومن اتبعهم على دينهم، فلم يهلك منهم أحد. وأغرق فرعون وجنوده، فلم يبعد منهم رجل إلا هلك".
9-الرُعب والخوف:
1-قال الله تعالى: {سَأُلْقِى فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} [الأنفال:12] .
قال الطبري:"يقول تعالى ذكره: سأرعبُ قلوب الذين كفروا بي ـ أيها المؤمنون ـ منكم، وأملؤها فرَقاً حتى ينهزموا عنكم، {فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأعْنَاقِ} ".
وقال القاسمي:" {سَأُلْقِى فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ} أي: الخوف".
وقال السعدي:" {سَأُلْقِى فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ} الذي هو أعظم جند لكم عليهم، فإن الله إذا ثبّت المؤمنين وألقى الرعب في قلوب الكافرين لم يقدر الكافرون على الثبات لهم، ومنحهم الله أكتافهم".
2-وقال تعالى: {فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ} [الحشر:2] .
قال ابن كثير:"أي: الخوف والهلع والجزع، وكيف لا يحصل لهم ذلك وقد حاصرهم الذي نصر بالرعب مسيرة شهر صلوات الله وسلامه عليه؟!".
وقال القاسمي:" {وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ} أي: أنزله إنزالاً شديداً فيها، لدلالة مادة (القذف) عليه، كأنه مقذوف الحجارة".
وقال السعدي:"وهو الخوف الشديد، الذين هو جند الله الأكبر، الذي لا ينفع معه عدد ولا عدة، ولا قوة ولا شدة، فالأمر الذي يحسبونه ويظنون أن الخلل يدخل عليهم منه إن دخل هو الحصون التي تحصنوا بها، واطمأنت نفوسهم إليها، ومن وثق بغير الله فهو مخذول، ومن ركن إلى غير الله فهو عليه وبال، فأتاهم أمر سماوي نزل على قلوبهم التي هي محل الثبات والصبر أو الخور والضعف، فأزال الله قوتها وشدتها، وأورثها ضعفاً وخوراً وجبناً، لا حيلة لهم ولا منعة معه، فصار ذلك عوناً عليهم".
3-وقال تعالى: {سَنُلْقِى فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ بِاللَّهِ} [آل عمران:151] .