فهرس الكتاب

الصفحة 4381 من 9994

{رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} والريح مكرَّرة على ما في قوله: {هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ} ، كأنه قيل: بل هو ريح فيها عذاب أليم. وقوله: {تُدَمّرُ كُلَّ شَىْء بِأَمْرِ رَبّهَا} يقول تعالى ذكره: تخرّب كل شيءٍ، وترى بعضه على بعض فتهلكه. وإنما عنى بقول: {تُدَمّرُ كُلَّ شَىْء بِأَمْرِ رَبّهَا} مما أرسلت بهلاكه؛ لأنها لم تدمر هوداً ومن كان آمن به.

قوله: {فَأْصْبَحُواْ لاَ يُرَى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ} يقول: فأصبح قوم هود وقد هلكوا وفنوا، فلا يُرى في بلادهم شيء إلا مساكنهم التي كانوا يسكنونها.

قوله: {كَذَلِكَ نَجْزِى الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ} يقول تعالى ذكره: كما جزينا عاداً بكفرهم بالله من العقاب في عاجل الدنيا، فأهلكناهم بعذابنا، كذلك نجزي القوم الكافرين بالله من خلقنا، إذ تمادوا في غيهِّم وطغوا على ربهم"."

وقال المفسرون:"كان المطر قد حُبس عن عاد، فساق الله إليهم سحابةً سوداء، فلما رأوها فرحوا و {قَالُواْ هَاذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا} ، فقال لهم هود: {بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ} ، ثم بيَّن ما هو فقال: {رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} ، فنشأت الريح من تلك السحابة، {تُدَمّرُ كُلَّ شَىْء} ، أي: تُهْلك كل شيءٍ مرت به من الناس والدواب والأموال".

وقال القرطبي:"والريح التي عُذِّبوا بها نشأت من ذلك السحاب الذي رأوه".

وقال السعدي:"أرسل الله عليهم العذاب العظيم، وهي الريح التي دمرتهم وأهلكتهم، ولهذا قال: {فَلَمَّا رَأَوْهُ} أي: العذاب، {عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ} ، أي: معترضاً كالسحاب، قد أقبل على أوديتهم التي تسيل فتسقي نوابتهم، ويشربون من آبارها وغُدْرانها، {قَالُواْ} مستبشرين: {هَاذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا} أي: هذا السحاب سيمطرنا، قال تعالى: {بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ} أي: هذا الذي جنيتم به على أنفسكم حيث قلتم: {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} ."

قوله: {تُدَمّرُ كُلَّ شَىْء} تمر عليه من شدتها ونحسها. فسلطها الله عليهم {سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} .

قوله: {بِأَمْرِ رَبّهَا} أي: بإذنه ومشيئته. {فَأْصْبَحُواْ لاَ يُرَى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ} ، قد تلفت مواشيهم وأموالهم وأنفسهم. {كَذَلِكَ نَجْزِى الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ} بسبب جرمهم وظلمهم"."

2-وقال الله تعالى: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً} [الأحزاب:9] .

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قلنا يوم الخندق: يا رسول الله، هل من شيء نقوله فقد بلغت القلوب الحناجر؟ قال: (( نعم، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا ) ). قال: فضرب الله عز وجل وجوه أعدائه بالريح، فهزمهم الله عز وجل بالريح.

وقال مجاهد:"قوله: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً} ، قال: ريح الصبا أُرسلت على الأحزاب يوم الخندق، حتى كفأت قدورهم على أفواهها، ونزعت فساطيطهم حتى أظعنتهم".

وقال الطبري:"يقول تعالى ذكره: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} التي أنعمها على جماعتكم، وذلك حين حوصر المسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام الخندق، {إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ} يعني: جنود الأحزاب قريش وغطفان ويهود بني النضير، {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً} ، وهي فيما ذكر: ريح الصبَّا".

وقال القرطبي:"وكانت هذه الريح معجزةً للنبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين كانوا قريباً منها، لم يكن بينهم وبينها إلا عرض الخندق، وكانوا في عافيةٍ منها، ولا خبر عندهم بها".

وقال ابن تيمية:"وكان عام الخندق برد شديد، وريح شديدة منكرة، بها صرف الله الأحزاب عن المدينة، كما قال تعالى: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا} ".

وقال ابن القيم:"وأرسل الله على المشركين جُنداً من الريح، فجعلت تُقوِّض خيامهم، ولا تدعُ لهم قِدراً إلا كفأتها، ولا طُنُباً إلا قَلَعتْه، ولا يقرُّ لهم قرار".

3-عن عائشة رضي الله عنه الله عنها قالت: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مُستجمعاً ضاحكاً حتَّى أرى منه لهواته، إنما كان يتبسم. قالت: وكان إذا رأى غيماً أو ريحاً عُرف ذلك في وجهه، فقالت: يا رسول الله، أرى الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته عَرَفْتُ في وجهك الكراهية، قالت: فقال: (( يا عائشة، ما يؤقِّنني أن يكون فيه عذابٌ، قد عُذّب قومٌ بالرِّيح، وقد رأى قوم العذاب فقالوا: {هَاذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا} ) ).

قال الكرماني:"و (( عذب قوم ) )أي: عاد، حيث أُهْلِكوا بريح صرصر".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت