وقال المفسرون:"بعث الله تعالى عليهم الملائكة، فقلَّعت الأوتاد، وقطعت أطناب الفساطيط، وأطفأت النيران، وأكفأت القدور، وجالت الخيل بعضها في بعض، وأرسل الله عليهم الرُّعب، وكثر تكبير الملائكة في جوانب العسكر، حتى كان سيّدُ كل خباء يقول: يا بني فلان هُلُمّ إليَّ، فإذا اجتمعوا قال لهم: النجاء النجاء؛ لما بعث الله تعالى عليهم من الرعب".
وقال ابن القيم:"وجند الله من الملائكة يزلزلونهم، ويُلقون في قلوبهم الرُّعب والخوف، وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم حذيفة بن اليمان يأتيه بخبرهم، فوجدهم على هذه الحال، وقد تهيّؤوا للرحيل، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره برحيل القوم".
وقال ابن كثير:"قوله: {وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا} هم الملائكة، زلزلتهم وألقت في قلوبهم الرعب والخوف".
2-المجاهدون الصادقون:
قال الله تعالى: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [الصافات:171-173] .
قال ابن جرير:"قوله: {وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} يقول: وإن حزبنا وأهل ولايتنا لهم الغالبون، يقول: لهم الظفر والفلاح على أهل الكفر بنا والخلاف علينا".
أسلم أبو سفيان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بمحضر العباس رضي الله عنه، فلما ذهب لينصرف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( يا عباس، حبِّسه بمضيق الوادي عند خطم الجبل، حتى تمرّ به جنود الله فيراها ) ). قال العباس: فخرجت به حتى حبسته حيث أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أحبسه. قال: ومرّت به القبائل على راياتها، كلما مرت قبيلة قال: من هؤلاء؟ فأقول: سُليم، فيقول: ما لي ولسليم؟ قال: ثم تمر القبيلة، قال: من هؤلاء؟ فأقول: مزينة، فيقول: ما لي ولمزينة؟ حتى نفدت القبائل؛ لا تمر قبيلة إلا قال: من هؤلاء؟ فأقول: بنو فلان، فيقول: ما لي ولبني فلان؟ حتى مرّ رسول الله في كتيبته الخضراء فيها المهاجرون والأنصار، لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد، قال: سبحان الله! من هؤلاء يا عباس؟ قلت: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المهاجرين والأنصار، قال: ما لأحد بهؤلاء قِبل ولا طاقة، والله ـ يا أبا الفضل ـ لقد أصبح مُلك ابن أخيك الغداة عظيما، قلت: يا أبا سفيان إنها النبوة، قال: فنعم إذا، قلت: النجاء إلى قومك. قال: فخرج حتى إذا جاءهم؛ صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم بما لا قِبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، فقامت إليه امرأته هند بنت عتبة، فأخذت بشاربه فقالت: اقتلوا الدسم الأحمش قبح من طليعة قوم، قال: ويحكم لا تغرنكم هذه من أنفسكم، فإنه قد جاء ما لا قِبل لكم به، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، قالوا: ويلك وما تغني دارك؟! قال: ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن. فتفرّق الناس إلى دورهم وإلى المسجد.
وعن عبد الله بن حوالة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( سيصير الأمر إلى أن تكونوا جنودا مجندة، جند بالشام، وجند باليمن، وجند بالعراق ) ). قال ابن حوالة: خِر لي ـ يا رسول الله ـ إن أدركت ذلك؟ فقال: (( عليك بالشام؛ فإنها خيرة الله من أرضه، يجتبي إليها خيرته من عباده، فأما إن أبيتم فعليكم بيمنكم، واسقوا من غدركم، فإن الله توكل لي بالشام وأهله ) ).
3-الريح:
1-قال الله تعالى: {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُواْ هَاذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ X تُدَمّرُ كُلَّ شَىْء بِأَمْرِ رَبّهَا فَأْصْبَحُواْ لاَ يُرَى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِى الْقَوْمَ الْمُجْرِمِين} [الأحقاف:24، 25] .
قال الطبري:"يقول تعالى ذكره: فلما جاءهم عذاب الله الذي استعجلوه، فرأوه سحاباً عارضاً في ناحية من نواحي السماء {مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ} ، والعرب تسمي السحاب الذي يُرى في بعض أقطار السماء عشيا ثم يصبح من الغد قد استوى وحبا بعضه إلى بعض عارضاً، وذلك لعرضه في بعض أرجاء السماء حين نشأ... {قَالُواْ هَاذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا} ، ظناً منهم برؤيتهم إياه أنَّ غيثاً قد أتاهم يَحيون به، فقالوا: هذا الذي كان هودٌ يعدنا، وهو الغيث. وقوله: {بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ} ، يقول تعالى ذكره مخبراً عن قيل نبيه صلى الله عليه وسلم هود لقومه ـ لما قالوا له عند رؤيتهم عارض العذاب قد عرض لهم في السماء: هذا عارض ممطرنا نحيا به ـ: ما هو عارض غيث، ولكنه عارض عذاب لكم، {بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ} أي: هو العذاب الذي استعجلتم به، فقلتم: {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} ."