وهذا - إن لاحظتم - يدل على بروز هذا الخلق عند جعفر رضي الله عنه ؛ لأن جعفر كان في الحبشة ، وإسلام أبي هريرة إنما كان في العام السابع بعد خيبر ، ونعلم أن جعفر رضي الله عنه - كما سيأتي - شارك في مؤتة ، واستشهد فيها .. عام واحد هو الذي كان يجمع بين أبي هريرة وجعفر في المدينة ! ومع ذلك كان كرم جعفر رضي الله عنه مشتهراً ؛ حتى لقب بـ"أبي المساكين"حتى كان أبوهريرة - وهو من هو - يذكر: أنه ما احتذى النعال ولا ركب المطايا ولا وطئ التراب بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم خير أو أفضل من جعفر بن أبي طالب ؛ لما كان لأثر كرمه ، وجوده على أبي هريرة وعلى غيره من فقراء الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين .
وهذا يدلنا على هذه المنقبة العظيمة التي تدل على نفسٍ سمحةٍ سخيةٍ ، وعلى رغبةٍ في الأجر والمثوبة ، وعلى رغبة في إدخال السرور إلى قلوب الضعفاء والمحتاجين .
الخامسة: الشجاعة والإقدام
وهنا بيان لمعرفة النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة وإرادته إظهار المناقب والمراتب لبعضهم ؛ فإن جعفر رضي الله عنه كان في الحبشة وقتاً طويلاً ، لم يشهد غزوة بدرٍ ، ولا أُحد ، ولا الخندق ، ولا الحديبية ، ولا خيبر ، لكنه وافى مع الصحابة خيبر فقسم له النبي عليه الصلاة والسلام من غنائم خيبر ، وأول معركةٍ أو غزوةٍ عظيمةٍ كانت بعد ذلك جعل النبي صلى الله عليه وسلم جعفر من قادتها .
وهذه المعركة الشهيرة التي سميت غزوة - واشتهرت بأنها غزوة - وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يشارك فيها هي"غزوة مؤتة"، وهي أول تحرك عسكري للمسلمين خارج الجزيرة العربية ، وخارج المواجهة مع العرب وقبائل العرب لمقاتلة ومنازلة الروم .
وهي الغزوة الوحيدة التي أمّر فيها النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أمراء ، وهي الغزوة الوحيدة التي نصّ النبي صلى الله عليه وسلم على نتيجتها وخبرها وحياً وقت وقوعها قبل عودة الصحابة ورجوعهم رضوان الله عليهم أجمعين .
أمر النبي عليهم زيد بن حارثة قال ؛ فإن قتل فجعفر بن أبي طالب ؛ فإن قتل فعبد الله بن رواحة رضي الله عنهم أجمعين .
وكن النبي صلى الله عليه وسلم يدرك عظمة هذه المواجهة .
وعجيبة - أيها الأخوة - وهو أن عدة جيش المسلمين كان ثلاثة آلاف وأقل عدد ذكر في الروايات لجيش الروم أنه كان ثلاثين ألفاً أي عشرة أضعاف ، وفي بعض الروايات مائة ألف وفي بعضها مائتين ألف ، ما النتيجة المتوقعة لعشر أضعاف من الجيش يقابلون عشرهم مع قلة الزاد والعتاد ، وطول السفر والشقة .
من المفترض أن لا يأخذوا إلا سويعة من الزمان ويثنوهم عن بكرة أبيهم !
لست بصدد الحديث عن الغزوة ولكني أقول: ما نتيجتها في آخر الأمر ؟ كم عدد الذين استشهدوا في غزوة مؤتة من هذا العدد الذي كان يبلغ ثلاثة آلاف ؟
أظن أن أكثركم لا يستحضر الرقم ، وقد يتعجب منه كثيراً شهداء غزوة مؤتة اثنا عشر شهيداً - ربعهم قيادة الجيش القواد الثلاثة رضوان الله عليهم أجمعين - لم تكن القيادة بمعزل بل كانت في مقدمة الصفوف .
ثم كيف تسنى لهم أن يواجهوا الجيش حتى يفصل عنهم ، ثم ولّوا خالد بن الوليد - كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام - وكما وقع به الحال ، ثم استطاعوا أن ينسحبوا انسحاباً عسكرياً قوياً ، ولم يكن انسحاب هروبٍ أو فرار ، لماذا ؟ لأنه لو كان انسحاب هروبٍ لكان انسحاباً متعثراً مرتبكاً وكان مغرياً للأعداء أن يلحقوا بهم ، وأن يبيدوهم ، لكن الأعداء قد رأوا الهول ، فاكتفوا بأن انسحب المسلمون من أمامهم ، ورأوا أن هذه فرصةً عظيمة لهم أن لا يواجهوا هؤلاء الناس الذين كانوا يحبون الموت أكثر من حب أولئك للحياة .
وهنا وقفاتنا مع جعفر رضي الله عنه .. قاتل زيدٌ حتى استشهد ، فحمل الراية جعفر رضي الله عنه وقاتل قتال الأبطال .
ثم -كما روى بعض الصحابة -:"والله لكأني أنظر إلى جعفر بن أبي طالبٍ يوم مؤتة حين اقتحم عن فرسٍ له شقراء فعقرها ثم تقدم حتى قتل رضي الله عنه".
ومن هنا ذكر أصحاب السير - وأولهم ابن إسحاق - إن أول من عقر في الإسلام هو جعفر بن أبي طالب .
لما كانت المعركة بكثافة الجيش العدو ، ليس فيها مجال لركض الخيل ، وكانت فرسه تعيقه عن ذلك ، نزل عنها فعقرها ، ثم قاتل رضي الله عنه واقف على قدميه ، وقطعت يده اليمنى فحمل الراية بيسراه فقطعت يسراه ، ثم خرّ شهيداً رضي الله عنه وأرضاه .
وإليكم هذه الروايات التي ذكرنا فيها رواية عقر فرسه ، وقد رواها أبوداود في السنن ، وذكرها ابن عبد البر في الاستيعاب: لما قاتل جعفر قطعت يداه - والراية معه لم يلقها - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أبدله الله جناحين يطير بهما في الجنة ) .
ولذلك سمي بالطيار ، وسمي بذي الجناحين ، وصح عند البخاري من حديث ابن عمر رضي الله عنه ، أنه كان إذا رأى عبد الله بن جعفر قال:"السلام عليك يا ابن ذا الجناحين".