وخذوا هذه الرواية وهي رواية قد كثرت في كتب السيرة ، وفي كتب السنة على اختلافٍ فيها .
قال الراوي: ولما قتل وجد به بضع وسبعون جراحا ، ما بين ضربة بسيف وطعنةٍ برمح كلها فيما أقبل من بدنه"، وقيل:"بضع وخمسون"والأول أصح كما قال ابن عبد البر ."
وذلك دليل شجاعة وإقدامٍ وثباتٍ وقوة إيمانٍ ويقينٍ وفروسيةٍ كانت لجعفر رضي الله عنهم وأرضاه .
وفي رواية ابن إسحاق قص النبي صلى الله عليه وسلم القصة في وقتها - أي في وقت حدوثها - وهي رواية بألفاظٍ أخرى في الصحيح أيضاً: لما أصيب القوم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أخذ الراية زيد بن حارثة، فقاتل بها حتى قتل شهيدا، ثم أخذها جعفر، فقاتل بها حتى قتل شهيدا. قال: ثم صمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تغيرت وجوه الأنصار، وظنوا أنه قد كان في عبد الله بن رواحة بعض ما يكرهون، ثم قال: ثم أخذها عبد الله بن رواحة فقاتل بها حتى قتل شهيدا ، ثم قال: لقد رفعوا إليّ في الجنة فيما يرى النائم على سرر من ذهب فرأيت في سرير عبد الله بن رواحة ازورارا عن سريري صاحبيه، فقلت: عم هذا؟ فقيل لي: مضيا، وتردد عبد الله بن رواحة بعض التردد ثم مضى ) .
وتردده رضي الله عنه ليس خوفاً على نفسه وإنما خوف على المسلمين ، وإلا ما كان لعبد الله بن رواحه في أول المعركة ما يدل على هذا ، عندما وصل المسلمون إلى مؤته وعلموا ضخامة الجيش الذي ينتظرهم وقفوا يتشاورون ماذا نصنع ؟
قال بعضهم: نرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يمدنا بمدد ! فقال عبد الله بن أبي رواحة: يا قوم، والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون؛ الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين؛ إما ظهور وإما شهادة. قال: فقال الناس: قد والله صدق ابن رواحة. فمضى الناس
فما كان ليتردد خوفاً أو جبنناً - حاشاه - وإنما كان يفكر في أمر المسلمين وأقدم واستشهد كيف قد يضطرب حالهم .
ثم مضى لأمره ولما ولاه إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستشهد فكان لتردده أثر .
ووردت الرواية عند ابن إسحاق - وهي مما سبقت إشارتنا إليها - عن أسماء بنت عميس قالت: لما أصيب جعفر وأصحابه، دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد دبغت أربعين منا، وعجنت عجيني، وغسلت بني ودهنتهم ونظفتهم، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ائتني ببني جعفر ) . فأتيته بهم فشمهم وذرفت عيناه، فقلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، ما يبكيك، أبلغك عن جعفر وأصحابه شيء؟ قال: ( نعم، أصيبوا هذا اليوم ) قالت: فقمت أصيح، واجتمع إليّ النساء، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله فقال: ( لا تغفلوا عن آل جعفر أن تصنعوا لهم طعاما؛ فإنهم قد شغلوا بأمر صاحبهم ) .
وروي أيضاً أنه لما جاء ذلك قال: ( على مثل جعفر فلتبكي البواكي ) وقد أخبر عليه الصلاة والسلام أنه قد ضرج بالدم وأنه يطير بجناحين مخببان بالدم في الجنة إشعارً بما كان له من فضلٍ وإقدامٍ في جهاده في سبيل الله عز وجل .
وفي شجاعته أيضاً ذكر الرواة ما ذكروا من هذا الأمر ، ومن ذلك رواية عقره لفرسه ذكرها أيضاً الذهبي في سيره وهي مروية بإسناد رجاله ثقات .
وقد وردت رواية أبي هريرة عند الترمذي في سننه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( رأيت جعفر يطير في الجنة مع الملائكة ) ، قال الترمذي هذا حديث غريب من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، وفيه من يضعف ، وقد ذكر العلماء رواياتٍ عديدة في هذا الشأن ساق منها ابن حجر رحمه الله قول ابن عمر لابن جعفر بن أبي طالب:"السلام عليك يا ابن ذي الجناحين".
قال شارح:"كأنه يشير إلى حديث ابن جعفر - عبد الله بن جعفر - قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( هنيئاً لك أبوك يطير مع الملائكة في السماء ) أخرجه الطبراني بإسنادٍ حسن".
ثم ذكر ابن حجر طرقٌ أخرى عن أبي هريرة وعلي وابن عباس ، وقال في طريق ابن عباس: إن جعفر يطير مع جبريل وميكائيل له جناحان عوضه الله من يديه .
قال: وإسناد هذه جيد - أي إسناد هذه الرواية جيد - وهذه الرواية مسوقة سياقاً آخر من حديث ابن عباس: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس وأسماء بنت عميس قريبة منه إذ قال: يا أسماء هذا جعفر مع جبريل وميكائيل مر بي فأخبرني أنه لقي المشركين يوم كذا وكذا فسلّم فردّي عليه السلام ، وقال: إنه لقي المشركين فأصابه في مقادمه ثلاثة وسبعون فأخذ اللواء بيده اليمنى فقطعت فأخذه بيده اليسرى فعوضه الله من يديه جناحين يطير بهما مع جبريل وميكائيل في الجنة يأكل من ثمارها .
وهذا مما وردت به روايات بعضها ببعض .
وهكذا ختمت هذه الحياء العطرة التي كانت في أولها هجرة ، وفي آخرها شهادة ، وسطّر حسان بن ثابتٍ ذلك الموقف العظيم ، والشهادة المباركة لشهداء وقواد غزوة مؤته ، فكان مما قاله رضي الله عنه: