استطراد يسير نذكره لبعض علماء الإسلام:"أبوبكر الباقلاني"جاءه بعض النصارى ، وأرادوا أن يثيروا بعض الشبه ، فقالوا له: إن زوجة نبيكم قد وقع لها ما وقع - يعنون بذلك حادثة الإفك ، ويرمون بذلك عائشة ، ويغمزون في شرفها - فقال بذكاءٍ وفطنةٍ وبديهةٍ وسرعة: هما امرأتان اتهمتا في شرفهما ، وبرأهما الله عز وجل ، أما واحدة فلم يكن لها زوج وجاءت بولد ! وأما الثانية فكان لها زوج ولم تأتي بولد - يعني الأولى مريم - قال: إذا كان ولا بد من شبهة فتلك لا زوج لها وجاءت جاء بها ولد جاء منها ولد ! وأما هذه فلها زوجً ولم يأتي لها ولد فهي أبعد عن الشبهة ومع ذلك فنحن نبرأهما كما برأهما الله عز وجل .
قالت: فضرب النجاشي بيده إلى الأرض فأخذ منها عودا ، ثم قال: والله ما عدا عيسى بن مريم ما قلت هذا العود - يعني بالضبط تماماً كما قلت ، وهو يعرف التحريف - وذلك كان من أثر عرض جعفر بن أبي طالب أن النجاشي أسلم ، وأكثر الروايات على أن النجاشي الذي أسلم والذي صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم هو هذا النجاشي الذي لقيه جعفر بن أبي طالب وتكلم بين يديه .
قالت فتناخرت بطارقته حوله حين قال ما قال فقال وإن نخرتم والله اذهبوا فأنتم شيوم بأرضي - والشيوم الآمنون - من سبكم غرم ثم قال من سبكم غرم ثم قال من سبكم غرم . ما أحب أن لي دبرا من ذهب وأني آذيت رجلا منكم - ردوا عليهما هداياهما ، فلا حاجة لي بها ، فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي ، فآخذ الرشوة فيه وما أطاع الناس في فأطيعهم فيه .
قالت فخرجا من عنده مقبوحين مردودا عليهما ما جاءا به وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار .
وهنا نرى كيف كان فطنة جعفر رضي الله عنه ، والمقام أقصر من أن نحيط بكثيرٍ من جوانب العظمة والذكاء والفطنة وحسن العرض والدعوة فيما كان من جعفر رضي الله عنه .
الرابعة: الجود والكرم
ولقد نال منها جعفر مبلغاً ورتبةً لم ينلها كثير من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم .
في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة - وأبو هريرة كما تعلمون كان من أهل الصفة ومن فقراء المسلمين الذين كان ليس لهم مصدر دخلٍ ولا قوت ولا طعام إلا ما يكون من الغنائم في الجهاد ، وما يكون من إكرام المسلمين وهداياهم وصدقاتهم لهم - يقول أبو هريرة رضي الله عنه:"خير الناس للمساكين فكان ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته، حتى إنه ليخرج إلينا العكة التي ليس فيها شيء فنشقها فنلعق ما فيها".
يعطي ما عنده لا يستبقي شيئاً لا قليلاً ولا كثيراً .
ولذلك كثر مدح أبي هريرة على وجه الخصوص له ؛ لأنه كان من الفقراء ويعلم شدة الفقر والجوع رضي الله عنه وأرضاه .
ولذلك قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:"هذا الحديث تقييد يحمل عليه المطلق الذي رواه عكرمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ما احتذى النعال ولا ركب المطايا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من جعفر بن أبي طالب . يعني في الجود والكرم ."
أخرجه الترمذي والحاكم وصححه .
وهذه روايةً ساقها الترمذي فيها طرافة ، وفيها ذكر لهذه المنقبة العظيمة لجعفر رضي الله عنه .
يقول:"كنت أسأل بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن الآيات من القرآن - وأنا أعلم بها - منه ما أشاء إلا ليطعمني شيئاً ، فكنت إذا سألت جعفر بن أبي طالب لم يجبني حتى يذهب بي إلى منزله ، فيقول لامرأته: يا أسماء أطعمينا شيئاً فإذا أطعمتنا أجابني".
أي يسأله عن معاني بعض الآيات وهو أعلم بها هو لا يريد السؤال ولا يريد الجواب يريد حديثاً حتى يقول له تفضل وادخل البيت فينال شيء من طعام
يعرف أن أبا هريرة إنما يريد الطعام أولاً ثم يقول في تتمة الحديث أبي هريرة:"وكان جعفر يحب المساكين ويجلس إليهم ، ويحدثهم ويحدثونه ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكنيه بأبي المساكين"وهذه كنية اشتهرت لجعفر رضي الله عنه فهو أبوالمساكين .
وفي رواية أبي هريرة أيضاً عند الترمذي ، قال: كنا عند جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه - أبى المساكين - فكنا إذا أتيناه قرب إلينا ما خطر ، فأتيناه يوماً فلم نجد عنده شيئاً ، فأخرج جرة من عسلٍ فكسرها ، فجعلنا نلعق منها"."
فمن شدة كرمه رضي الله عنه أنه كان يكسر جراراً للعسل حتى يلعقوا ما فيها .
ثم كذلك وردت الرواية عند البخاري في هذا المعنى الذي ذكرناه ، وذلك من وجوه الكرم والجود التي كانت معروفةً عن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه .