فهرس الكتاب

الصفحة 4354 من 9994

خامساً:ختمها بأحسن ختامٍ ، عندما أثنى على النجاشي وبلاده بما هو فيه ، من غير زيادة ، والمسلم الحق من يذكر الحق والواقع لإنصافٍ وعدل حتى وإن كان عند غير المسلم ، فقال:"فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا ، وحالوا بيننا وبين ديننا ، خرجنا إلى بلادك ، واخترناك على من سواك ; ورغبنا في جوارك ، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك".

وهذا يستدعي من النجاشي حميته وقوته وعطفه ،كيف يلتجئ إليّ أناس فأخذلهم ؟ كيف يرغبون في جواري فأطردهم ؟ كيف ينشدون عدلي فأظلمهم ؟

ولذلك أحسن جعفر - رضي الله عنه - هذا العرض إحساناً بالغاً فائقاً ، وأثنى على النجاشي وبلاده في مجمل أوضاعها بما هو حق ، وليس في هذا حرجٌ شرعي ! ليس من حرجٍ أن نقول عن نظام بعض تلك البلاد ، أو بعض قوانينها ، أو بعض أحوالها ما هو عدل وحق ، وما فيه مصلحة ومنفعة - وإن لم يكن قائم على أساسٍ عقدي صحيح ، وإن لم يكن منطلق من الإسلام وعقائده ومبادئه - ولذلك قال له هذا القول ، ثم ختم بقوله:"ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك".

فلما قال هذه المقالة الجامعة الوافية الذكية ، قال النجاشي: هل معك مما جاءك به عن الله عز وجل شيء ؟

وهنا جاهزية الداعية المسلم لا يتلكأ ، فقال جعفر: نعم ! فقرأ عليه صدراً من سورة مريم ، واختيار القراءة أيضاً كان موفقاً ؛ فإن صدر سورة مريم فيه قصة زكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام جميعاً ، وفيه ذكر أمورٍ يعرف جعفر أن النجاشي يعرفها من كتابه ودينه .

قالت:فبكى والله النجاشي حتى اخضلت لحيته وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم .

ثم قال لهم النجاشي: إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة انطلقا ، فلا والله لا أسلمهم إليكما ، ولا يكادون .

فهل استسلم عمرو بن العاص وهو داهية العرب كما تعلمون ؟

قالت: فلما خرجا من عنده قال عمرو بن العاص: والله لآتينه غدا عنهم بما أستأصل به خضراءهم - أي سوف آتي غدً في جولةٍ أخرى ، وأذكر عن هؤلاء المسلمين قضيةً سوف تغير موقف النجاشي عليهم أي شيء سيذكر ؟ هل هو أمر متعلق بالعقيدة والدين ؟ لنعلم أن المحرك الأساسي والجوهري في اتخاذ المواقف إنما هو العقيدة والمبدأ قبل المصلحة والمنفعة - قالت: فقال له عبد الله بن أبي ربيعة ، وكان أتقى الرجلين فينا: لا نفعل فإن لهم أرحاما ، وإن كانوا قد خالفونا ; قال والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى بن مريم عبد .

ومالِ عمرو بن العاص وهو وثني مشرك ولعيسى ابن مريم وللمسيحية والنصرانية ؟

إنما يريد الفتنة ، وهذا هو الذي يستغله أيضاً أعداء الإسلام من اليهود وغير اليهود ؛ فإنهم لا يريدون حقاً وعدلاً ، وإنما يريدون أن يطعنوا المسلمين ، ويسيئوا إليهم ، ويؤلبوا عليهم .

قالت ثم غدا عليه من الغد فقال له: أيها الملك إنهم يقولون في عيسى ابن مريم قولا عظيما ، فأرسل إليهم فسلهم عما يقولون فيه . قالت فأرسل إليهم ليسألهم عنه .

ونلاحظ أنه لم يقل: ماذا يقولون ؟ إنما أراد أن يجعل القضية في حس النجاشي ضخمة وعظيمة ؛ حتى إذا سمع النجاشي القول كان غضبه في غاية العظمة والشدة ، فأرسل إليهم ليسمع منهم - وهذا من عدل النجاشي إن لم يسمع من طرفٍ في كلت الحالتين .

تقول أم سلمة: ولم ينزل بنا مثلها قط . فاجتمع القوم ثم قال بعضهم لبعض ماذا تقولون في عيسى ابن مريم إذا سألكم عنه ؟ قالوا: نقول والله ما قال الله وما جاءنا به نبينا ، كائنا في ذلك ما هو كائن . قالت فلما دخلوا عليه قال لهم ماذا تقولون في عيسى ابن مريم ؟ قالت فقال جعفر بن أبي طالب: نقول فيه الذي جاءنا به نبينا صلى الله عليه وسلم يقول: هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول .

والكلام مختصر وموجز لكنه دقيق وحكيم .

أولاً قال: نقول ما جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم ، فليس القول عندنا ، وليس اجتهاد وإنما هو دين ووحي .

ثم قال: إنه عبد الله وذلك ينفي أنه ابن الله ، وينفي أنه الله عز وجل ، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً .

لكنه أضاف المعنى المعجز الذي نؤمن به ، وهو وروحه - أي التي قذفها في مريم عليها السلام - ورسوله فهو نبيٌ مرسل كرسول الله صلى الله عليه وسلم .

قال:"وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول"أيضاً ليبرئ مريم عليها السلام مما يقذفها بها بعض اليهود والمحرفين منهم - على وجه الخصوص - فهو جمع في ذلك محاسن عقيدة الإسلام في هذه المسألة المهمة .

فلا هو ابن الله ، ولا هو الله ، ولا هو بشر كسائر البشر ، بل هو كلمة وروح ألقاها الله إلى مريم ، وليست مريم عليها السلام ممن عنده شيء من شبه أو من قذفٍ أو من غير ذلك .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت