فهرس الكتاب

الصفحة 4353 من 9994

المسلمون كانوا أقلية في بلدٍ غير إسلامي ، وهم بحالهم ذلك كأنما يمثلون أوضاع الجالية المسلمة في بلادٍ غير إسلاميةٍ كما هو حال كثيرٍ من المسلمين اليوم .

فأول أمرٍ نلحظه هنا: مشورة المسلمين فيما بينهم ، ثم وحدة كلمتهم ، واجتماع أمرهم ،لم يتفرقوا ولم يختلفوا ، أجمعوا أمرهم ، ووحدوا كلمتهم ، وانتدبوا المتحدث باسمهم ، فليس هناك أقوال ولا آراء متعددة يظهرون بها لغير المسلمين .

ثم إن جعفراً رضي الله عنه أحسن المقالة ، وأظنكم توافقون أن من يسمع قول جعفر لا بد أن يوافقه ويؤيده مباشرة .

أولاً: بدأ بقوله:"أيها الملك"، وهذا ليس فيه شيء للتعظيم لغير المسلم ، بل فيه وصف لحقيقته التي هو عليها ، فهو ملك تلك البلاد ، فليس في مثل هذا حرجٌ شرعيٌ ، بل فيه كذلك تنزل حسن ؛ لكي يكون هناك جسر يمتد منه الحديث ، وتتحد به الأرضية لكي يقبل على ذلك القول ويسمع له ويصغي .

ووردت روايات أخرى - في غير هذا السياق - أنهم كانوا إذا دخلوا على النجاشي يركعون له ، وأن عبد الله وعمرو بن العاص فعلا ذلك ، فلما جاء جعفر لم يصنع مثل هذا ، فقال له: لما لا تركع كغيرك ؟! قال: إنا لا نركع ولا نسجد إلا لله عز وجل ، فكان هذا الموقف أيضاً لفت نظرٍ إلى أن المساومة في أمرٍ شرعيٍ ثابتٍ أو عقديٍ أساسيٍ لا مجال فيه مطلقاً ، لكن قوله:"أيها الملك"ليس فيه غضاضة ، ولا حرج شرعي بحال .

ثانياً: بدأ يسرد له ، فذكر له مساوئ الجاهلية .. ذكرها بصيغةٍ موجزةٍ بليغةٍ محكمةٍ ، وبيّنها وفصّلها ، فقال:"كنا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار ويأكل القوي منا الضعيف".

أي صورة هذه ؟ أي مجتمع هذا ؟ أي أخلاق هذه ؟ إنها تلك التي تنفر منها كل نفسٍ سوية ، ويأباها كل عقلٍ راشد .

وهذه هي صور الجاهلية على حقيقتها المظلمة والكفر على صورته البشعة ، وأخلاقه الرذيلة الدميمة ، وأحواله الاجتماعية الطبقية العنصرية الظالمة الباغية .

ثالثاً: قال:"فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا ، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه".

فإذاً هذا سرّ من أسرار اختيار الصحابة وإجماعهم على جعفر ؛ لأنه ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو أعرف به وألصق به من غيره من بقية الصحابة ، فقوله فيه يكون عن بصيرة وعلم وخبرة وقربٍ ، أكثر من غيره ، ولذلك قال هذه المقالة .

ثم بيّن دعوة الإسلام ، فبدأ بالتوحيد:"فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان"، ثم ذكر الجانب الأخلاقي الإنساني في الإسلام ؛ لأن هذه الجوانب الإنسانية قاسمً مشترك بين الأمم وبين الناس جميعاً ، من أصحاب الفطر السوية ، والمسلمون يحسن بهم أن يظهروا هذه الجوانب لغير المسلمين ؛ لأنها الجوانب التي تلفت العقول والأنظار ، وتسلب أو تجبي أو تميل النفوس والقلوب إلى حقائق الإسلام .

ولذلك عرضها ، فقال:"وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات".

ثم كرر بعد ذلك الأمر بالتوحيد والصلاة والزكاة ، وهذا تلخيصٌ حسنٌ لجوامع الإسلام وأسسه وقواعده ، دون أن يخوض في التفصيل والتفريع ؛ لأنه في مقام عرضٍ إجماليٍ ، يبين حقيقة هذا الدين في كلياته وأصوله وقواعده ، ويظهر محاسنه ومنافعه وفوائده .

رابعاً:كرر بعد ذلك ؛ ليكشف حقيقة الكفر والشرك والجاهلية في معارضتها للأخلاق الفاضلة ومضادتها لحقوق الإنسان ، ومنعها لحرية الرأي والتعبير والاعتقاد ، فقال:"فعدا علينا قومنا ، فعذبونا ، وفتنونا عن ديننا ، ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله تعالى ، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث"

فظهر حينئذٍ أن هذا ظلم وبغي ، كل صاحب نفسٍ حرة ، وفطرةٍ سوية يكون مع هؤلاء المظلومين ضد المعتدين بغض النظر عن الدين والمعتقد .

وهذا نراه اليوم أيضاً لدى بعض الأفراد والجماعات والمجموعات والمنظمات من غير المسلمين تشبث حقيقي بحقوق الإنسان ورغبة في رد اظلم والعدوان من أي أحدٍ كان

ولذا نرى منهم مواقف عجيبة ليست منطلقة منطلقة من منطلقات الإسلام لكنها منطلقة من منطلقات الإنسان .

ولذلك نرى من يسمونهم"نشطاء السلام"يدافعون عن إخواننا في فلسطين ، يرفعون قضيتهم - وربما قتل بعضهم - كما هو معلوم ومعروف ، وهم في ذلك يرون أنهم يدافعون عن حقٍ وعدل ، ويمنعون ظلماً وجوراً ، وينصرون إنساناً مضطهداً ، دون أن ينظروا إلى دينه أو عقيدته ، فبعض المعاني الإنسانية العظيمة المشتركة راعاها جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه في دعوته بذكاءٍ وفطنة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت