فهرس الكتاب

الصفحة 4331 من 9994

وانظر قوله:"وهذا إذا حكم في قضية معينة لشخص، وأما إذا حكم حكمًا عامًا..."أي إذا شرع حكمًا مخالفًا لشرع الله تعالى وألزم به عامة المسلمين أو غيّر حكمًا من أحكام الله تعالى المعلوم من الدين بالضرورة فهذا داخل فيما ذكره وإن كان في باقي الأحكام جاريًا على شرع الله، فكيف الأمر بالنسبة لمن رفض شرع الله جملة وتفصيلاً ورأى عدم صلاحية الكتاب والسنة لاستنباط الأحكام منهما والتحاكم إليهما، وأعطى صلاحية التشريع لغير الله، فما أجازته الأغلبية فهو الجائز حتى لو كان في دين الله حرامًا، وما منعته الأغلبية فهو الممنوع حتى لو كان في دين الله مباحًا، لا شكّ أن هذا أعظم كفرًا ومحادة لله عز وجل.

وفيما يلي نسوق بعض الآيات الواردة في بيان وجوب الحكم بما أنزل الله تعالى والتحاكم إليه وبيان التحذير من التحاكم إلى الطاغوت:

1.قال الله تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعمّا يعظكم به إن الله كان سميعًا بصيرًا} [النساء:58] .

قال ابن تيمية رحمه الله:"على الحكام أن لا يحكموا إلا بالعدل، والعدل هو ما أنزل الله".

2.وقال تعالى: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} [النور:63] . وقال: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبينًا} [الأحزاب:36] .

قال ابن القيم رحمه الله:"فدل هذا على أنه إذا ثبت لله ورسوله في كل مسألة من المسائل حكمٌ طلبي أو خبري، فإنه ليس لأحد أن يتخير لنفسه غير ذلك الحكم فيذهب إليه، وأن ذلك ليس لمؤمن ولا مؤمنة أصلاً، فدل على أن ذلك مناف للإيمان".

وقال الشافعي رحمه الله:"ما كان الكتاب والسنة موجودين فالعذر على من سمعهما مقطوع إلا بإتيانهما".

قال ابن تيمية رحمه الله:"إن ترك المسلم ـ عالمًا كان أو غير عالم ـ ما علم من أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم لقول غيره كان مستحقًا للعذاب... ومن اتبع ما بعث الله به رسوله كان مهديًا منصورًا بنصرة الله في الدنيا والآخرة".

3.وقال تعالى: {كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه} [البقرة: 213] . وقال تعالى: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيماً} [النساء:105] .

فبين أن الغاية من إنزال الكتاب هو الحكم بين الناس بالعدل، قال ابن تيمية رحمه الله:"فإن الله سبحانه هو الحكم الذي يحكم بين عباده، والحكم له وحده، وقد أنزل الله الكتب وأرسل الرسل ليحكم بينهم، فمن أطاع الرسول كان من أوليائه المتقين، وكانت له سعادة الدنيا والآخرة، ومن عصى الرسول كان من أهل الشقاء والعذاب".

4.وقال تعالى: {أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكمًا لقوم يوقنون} [المائدة: 50] .

قال شيخ الإسلام:"أهل الإيمان والإسلام والعلم والدين إنما يحكمون بكتاب الله وسنة رسوله".

وقال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية:"ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكزخان الذي وضع لهم"الياسق"، وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعًا متبعًا، يقدّمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله فلا يحكّم سواه في قليل ولا كثير".

فقد ذمّ الله عز وجل في هذه الآية من يبتغي حكم الجاهلية ويريده، وهو كل حكم مخالف لشرع الله، فكيف بمن يشرّعون ما لم يأذن به الله، ولم ينزل به سلطانًا، ويجعلون تشريعهم ذلك عامّا لازمًا تجب طاعته، ويضفونه بالقداسة والحرمة ويصفونه بالفوقية, ويعتبرون من خالفه أو لم يرض به من أكابر المجرمين الذين تجب معاقبتهم بيد أنه لو خالف حكم الله المتفق عليه جهارًا نهارًا كأن يطوف بقبر أو يستغيث بميت أو يدعو إلى بدعة أو يسب الله ورسوله أو يشرب الخمر أو يبيعها أو يرمي المحصنات المؤمنات أو غير ذلك من المخالفة لشرع الله المنزل فإنهم لا يكترثون لذلك ألبتة فضلاً عن أن يكترثوا له كما يكترثون لمخالفة أحكامهم التي شرعوها من دون الله، وهذا في الحقيقة منتهى مضاهاة الله تعالى في التشريع، نسأل الله السلامة والعافية.

5.وقال تعالى: {ولا يُشركُ في حكمه أحدا} [الكهف: 26] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت