وقال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله:"الرد إلى الكتاب والسنة شرط في الإيمان، فدل ذلك على أن من لم يردّ إليهما مسائل النزاع فليس بمؤمن حقيقة، بل مؤمن بالطاغوت كما جاء في الآية: {ألم تر إلى الذين يزعمون...} الآية، فإن الإيمان يقتضي الانقياد لشرع الله وتحكيمه في كل أمر من الأمور، فمن زعم أنه مؤمن واختار حكم الطاغوت على حكم الله فهو كاذب في ذلك".
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله:"فإنه لا يجتمع التحاكم إلى غير ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم مع الإيمان في قلب عبد أصلاً، بل أحدهما ينافي الآخر، والطاغوت مشتق من الطغيان، وهو مجاوزة الحد، فكل من حكم بغير ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فقد حكم بالطاغوت وحاكم إليه".
وإن حقيقة الإسلام هي الاستسلام التام لله عز وجل ولا يتم ذلك إلا بقبول دينه والتسليم لشرعه والرضا بحكمه، قال ابن تيمية رحمه الله:"فالإسلام يتضمّن الاستسلام لله وحده، فمن أسلم له ولغيره كان مشركًا، ومن لم يستسلم له كان مستكبرًا عن عبادته، والمشرك به والمستكبر عن عبادته كافر، والاستسلام له وحده يتضمن عبادته وحده وطاعته وحده".
وهذا هو معنى الرضا بالإسلام دينًا، قال ابن القيم رحمه الله:"وأما الرضا بدينه فإذا قال أو حكم أو أمر أو نهى رضي كل الرضا، ولم يبق في قلبه حرج من حكمه، وسلم تسليمًا، ولو كان مخالفًا لمراد نفسه أو هواها أو قول مقلده وشيخه وطائفته".
المجموع الثمين (1/35) .
الدرة (ص 338) .
مجموع الفتاوى (12/339-340) .
تفسير المنار (5/227) .
إعلام الموقعين (1/49-50) .
تفسير ابن كثير (3/209) .
تفسير السعدي (2/90) .
تحكيم القوانين (ص 2) .
مجموع الفتاوى (3/91) .
مدارج السالكين (2/118) .
رابعاً: وجوب تحكيم شرع الله ونبذ ما خالفه:
إن الآيات الدالة على وجوب تحكيم شرع الله والتحاكم إليه، والمحذرة من التحاكم إلى غيره كثيرة في كتاب الله تعالى، وكلام العلماء عليها معروف مشهور حتى أضحى ذلك علمًا ضروريًا عند المسلمين، قال العلامة ابن باز رحمه الله:"ومعنى هذا أن العبد يجب عليه الانقياد التام لقول الله تعالى وقول رسوله وتقديمهما على قول كل أحد، وهذا أمر معلوم من الدين بالضرورة".
ولكن توالت شبه الكفرة الملحدين وتواردت سمومهم على الأمة، وصادف ذلك ضعفًا من المسلمين وتناحرًا بينهم وبعدًا كبيرًا عن الدين الصحيح، وتلك الشبهات ضعيفة في أول سيرها وهزيلة في حقيقة أمرها، ولكنها وجدت من يغذيها في رحلتها حتى لا تنقطع بها السبيل وتصل إلى قلوب المسلمين، والمتنبهون لخطورة الأمر ما بين ساكت ومتكلّم لا يبلغ صوتُه إلا من رحم الله، ففعلت تلك الشبهات فعلتها الشنيعة، وشيّدت في قلوب المسلمين حصونها المنيعة، فصار من يدعو إلى تحكيم الشريعة، قد أتى جريمة فظيعة، والعجب أن يجد من يتهمه بذلك من إخوانه المسلمين قبل أعدائه الملحدين، فيا لغربة الدين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
إلى الماء يسعى من يغصّ بلقمة إلى أين يسعى من يغصّ بماءٍ؟!
وقد انعقد الإجماع على أنه لا شرع إلا ما شرعه الله، ولا حلال إلا ما أحله الله، ولا حرام إلا ما حرمه الله، وأن تشريع الأحكام هو حقّ لله وحده، فمن أعطى غيره هذا الحق أو أعرض عن شرع الله وسَخِطَه ولم يرض به فهو كافر بإجماع المسلمين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"والإنسان متى حلّل الحرام المجمع عليه، أو حرّم الحلال المجمع عليه، أو بدّل الشرع المجمع عليه، كان كافرًا مرتدًا باتفاق الفقهاء، وفي مثل هذا أنزل قوله على أحد القولين: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} أي هو المستحل للحكم بغير ما أنزل الله".
وقال أيضًا:"إن الحاكم إذا كان ديِّنًا لكنه حكم بغير علم كان من أهل النار، وإن كان عالمًا لكنه حكم بخلاف الحق الذي يعلمه كان من أهل النار، وإذا حكم بلا عدل ولا علم كان أولى أن يكون من أهل النار، وهذا إذا حكم في قضية معينة لشخص، وأما إذا حكم حكمًا عامًا في دين المسلمين، فجعل الحق باطلاً، والباطل حقًا، والسنة بدعة، والبدعة سنة، والمعروف منكرًا، والمنكر معروفًا، ونهى عما أمر الله به ورسوله، وأمر بما نهى الله عنه ورسوله، فهذا لون آخر، يحكم فيه رب العالمين وإله المرسلين، مالك يوم الدين الذي {له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون} ".