قال الطبري:"يعني بقوله جل ثناؤه: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ} ولا يقتل بعضكم بعضا وأنتم أهل ملّة واحدة ودعوة واحدة ودين واحد, فجعل جل ثناؤه أهل الإسلام كلهم بعضهم من بعض, وجعل القاتل منهم قتيلا في قتله إياه منهم بمنزلة قتله نفسه, إذ كان القاتل والمقتول أهل يدٍ واحدة على من خالف ملَّتَهما, وأما قوله جل ثناؤه: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً} فإنه يعني أن الله تبارك وتعالى لم يزل رحيما بخلقه, ومن رحمته بكم كفّ بعضكم عن قتل بعض أيها المؤمنون, بتحريم دماء بعضكم على بعض إلا بحقها, وحظر أكل مال بعضكم على بعض بالباطل إلا عن تجارة يملك بها عليه برضاه وطيب نفسه, لولا ذلك هلكتم وأهلك بعضكم بعضا قتلا وسلبا وغصبا, وأما قوله: {عُدْواناً} فإنه يعني به تجاوزا لما أباح الله له إلى ما حرمه عليه, {وَظُلْماً} يعني فعلا منه ذلك بغير ما أذن الله به وركوبا منه ما قد نهاه الله عنه, وقوله: {فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً} يقول: فسوف نورده نارا يصلى بها فيحترق فيها, {وَكَانَ ذالِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً} يعني: وكان إصلاء فاعل ذلك النار وإحراقه بها على الله سهلا يسيرا؛ لأنه لا يقدر على الامتناع على ربه مما أراد به من سوء, وإنما يصعب الوفاء بالوعيد لمن توعده على من كان إذا حاول الوفاء به قدر المتوعّد من الامتناع منه, فأما من كان في قبضة مُوعِدِه فيسيرٌ عليه إمضاء حكمه فيه والوفاء له, عسير عليه أمر أراده به".
3-وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لا يحلّ دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمارق من الدين التارك للجماعة ) ).
4-وقال صلى الله عليه وسلم في أكبر اجتماع للناس في عصره: (( ألا إن الله حرّم عليكم دماءكم وأموالكم كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا، ألا هل بلغت؟ ) )قالوا: نعم، قال: (( اللهم اشهد ـ ثلاثا ـ ويلكم انظروا لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ) ).
قال القاضي عياض:"قوله: (( فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا ) )كلّ هذا تأكيد لحرمة الدماء والأموال والأعراض، وتحريم لمظالم العباد، كتأكيد حرمة يوم النحر من شهر الحج في حرم مكة".
وقال النووي:"قوله صلى الله عليه وسلم: (( إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كرحمة يومكم هذا في شهركم هذا ) )معناه: متأكدة التحريم شديدته".
5-وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( كلّ ذنب عسى الله أن يغفره إلا من مات مشركا، أو مؤمن قتل مؤمنا متعمدا. من قتل مؤمنا فاعتبط بقتله لم يقبل الله منه صرفا ولا عدلا. لا يزال المؤمن مُعنِقا صالحا ما لم يصب دما حراما، فإذا أصاب دما حراما بلَّح ) ). قال خالد بن دهقان وهو من رواة الحديث: سألت يحيى بن يحيى الغساني عن قوله: (( اعتبط بقتله ) )قال: الذين يقاتلون في الفتنة، فيقتل أحدهم فيرى أنه على هدى لا يستغفر الله يعني من ذلك.
6-وعن البراء بن عازب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق ) ).
قال الطيبي:"الدنيا عبارة عن الدار القربى التي هي معبر الدار الأخرى، وهي مزرعة لها، وما خلقت السموات والأرض إلا لتكون مسارح أنظار المتبصرين ومعتبرات المطيعين، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَاواتِ وَالأرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً} [آل عمران:191] أي: بغير حكمة، بل خلقتَها لأن تَجعلها مساكن للمكلفين، وأدلة لهم على معرفتك، فمن حاول قتل من خُلقت الدنيا لأجله فقد حاول زوال الدنيا".
7-وعن المقداد بن عمرو الكندي أنه قال: يا رسول الله، إن لقيت كافراً فاقتتلنا فضرب يدي بالسيف فقطعها ثم لاذ بشجرة وقال: أسلمت لله أأقتله بعد أن قالها؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لا تقتله ) )، قال: يا رسول الله، فإنه طرح إحدى يديّ ثم قال ذلك بعدما قطعها أأقتله؟ قال: (( لا، فإن قتلتَه فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وأنت بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال ) ).
قال الخطّابيّ:"معناه أنّ الكافر مباح الدّم بحكم الدّين قبل أن يسلم, فإذا أسلم صار مصان الدّم كالمسلم, فإن قتله المسلم بعد ذلك صار دمه مباحًا بحقّ القصاص كالكافر بحقّ الدّين, وليس المراد إلحاقه في الكفر كما تقوله الخوارج من تكفير المسلم بالكبيرة".
8-وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( لو أنّ أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبهم الله في النار ) ).
وقال ابن العربي:"ثبت النهي عن قتل البهيمة بغير حقّ والوعيد في ذلك، فكيف بقتل الآدمي؟! فكيف بالمسلم؟! فكيف بالتقي الصالح؟!".