وهذا هو الداء الدوي ، الذي ينخر في جسم الأمة اليوم ، عندما يكون في صفوفها أصحاب العقائد المنحرفة التي تسعى جاهدة ، إلى أن تدمر الأمة وفي قلوبها من الحقد والضغينة أعظم مما في قلوب الأعداء ، وهم أكثر عوناً للأعداء وإخلاصاً من بني جلدة الأعداء أنفسهم ، وهذا هو الذي ذكره ابن كثير رحمة الله عليه .
السبب الخامس: ممالأة الأعداء
قال:"ثم عاد إلى بغداد لما ذهب الخليفة ليقابل هولاكو ، ويعود هذا الوزير الرافضي ومعه خوجة نصير الدين الطوسي ، وكان هذا نصير الدين عند هولاكو وقد استصحبه عندما فتح بعض قلاع المسلمين"، وكان هذا أي نصير الدين مما ينسبون إلى المستنصر العبيدي ـ يريد أن يعيد قيام الدولة العبيدية التي أزالها صلاح الدين بجهاده الذي أشرنا إليه - قال ابن كثير وكانوا يريدون إبطال السنة وإقامة الرفض وإقامة خليفة من العبيديين ، ولكن الله - سبحانه وتعالى - ما أمهله حتى مات هذا الوزير الرافضي في العام نفسه ، ثم لحقه ابن بعد ستة أشهر ، ثم يقول ابن كثير:"ولم ينج أحد من الناس بعد أن وصف القتل الشديد سوى من أهل الذمة من اليهود والنصارى ومن التجأ إليهم وإلى دار الوزير ابن العلقمي".
كانوا صفوفاً خامسة ، وطوابير خامسة ، ويمالئون الأعداء ، ولذلك لم يصبهم ضرر ، هؤلاء الذين يظهرون لنا أنهم أولياء وأحباء وأنهم كذا وكذا، لا يؤمن غير المسلم على أمة الإسلام أبداً لا في دينها ولا عقيدتها ، وهذا الأمر الأول ولا في مقدراتها وثرواتها ، ولا في أوضاعها وأخلاقها مطلقاً ، وهذا التاريخ يحدثنا بذلك حديثاً شافياً واضحاً .
ثم عندما وصف ابن كثير - رحمة الله عليه - ما وقع قال:"وقع هول شديد كان الناس يُقْتَلون ويبادون أربعين يوماً والسيف يعمل في أهل بغداد، حتى كسروا عليهم البيوت ، فلما هربوا صعدوا إلى الأسطحة فصاروا يقتلون على الأسطحة ، حتى سالت ميازيب بغداد من دماء المسلمين"، وقال - رحمة الله عليه -:"عُدة من مات من المسلمين قيل ثمانمائة ألف من المسلمين ، وقيل ألف ألف - يعني مليون -"، مما يدل على عظيم الهول .
معركة عين جالوت
عندما نتأمل سنجد ومضات النصر ظاهرة أيضاً ، فهنا المظفر قطز الذي أجرى الله على يديه هذا النصر، ماذا كان من حاله ؟ لما سمع بأمر التتار وأخذهم لبلاد الشام ، وأنهم يريدون أن يتوجهوا إلى مصر ما انتظرهم ولكن توجه هو بجيوشه ، قال ابن كثير:"وقد اجتمعت الكلمة عليه حتى انتهى إلى الشام - يعني اجتمعت الكلمة لقواد وأمراء المسلمين - ووُصِف هذا الملك بأنه كان شجاعاً وكان صالحاً". قال ابن كثير:
"لا يتعاطى شيئاً مما يتعاطاه الملوك والأمراء ، في ذلك الزمن أي من المفاسد والمعاصي ، وكان انِ اجتمع هو التتار في عين جالوت في الجمعة في الخامس والعشرين من شهر رمضان من عام 658 هـ فاقتتلوا قتالاً عظيماً ، وكانت النصرة - ولله الحمد - للإسلام وأهله"، فهزموا التتار الذين كانوا منتصرين قبل سنتين ، والذين فعلوا الأفاعيل في بغداد ، هزموا هذه المرة وتتبعهم المسلمين حتى بلغوا دمشق ، وحتى بلغوا وراءهم إلى حلب وهم يفرون ، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة تجاوزت عشرات الآلاف إلى ما يقرب من مئات الآلاف ، فكان هذا النصر يدل على مثل هذه الصورة .
عندما تهيأت بعدُ أسباب النصر، وقتلت العامة في تلك الفترة في الجامع شيخاً رافضياً مصانعاً للتتار على أموال المسلمين ، وطهروا ذلك المجتمع من مثل هذه الانحرافات ، ثم قال ابن كثير في وصف قطز:
"كان شجاعاً بطلاً ، كثير الخير ، ناصحاً للإسلام وأهله ، وكان الناس يحبونه ويدعون له كثيراً ، وقال لما كان في القتال قُتلت فرسه ، فظل يقاتل وهو واقف فجاء بعض الأمراء ليعطونه فرساً بديلاً عنها ، فرفض ذلك وظل يقاتل ، فقالوا له: لماذا لم تقبل ونحن نريد أن لا تهزم فينهزم بك الإسلام والمسلمين ؟ فقال: أما أنا لو قتلت فكنت أروح الجنة ، وأما الإسلام فله رب لا يضيعه".
وهذه المواقف تبين لنا ملامح الهزائم وأسبابها كما تبين لنا ومضات الانتصارات وأسبابها .
المقصد إذاً - أيها الإخوة - أننا عندما نرى نصراً فينبغي لنا أن ننظر إلى ما قبله، ونرى صورة الأمة وأحوالها في ذلك الوقت ، وكذلك أمر الهزيمة ؛ فإن مثل هذه الصور تبين لنا أن سبب الهزيمة التي تقع على المسلمين اليوم ، إنما هو بمثل هذه الأسباب التي ذكرت من ضعف قوتها العسكرية ، ومن غياب القيام بالواجب من قياداتها السياسية ، ومن وجوب التفرقة والاختلافات والمنازعات فيما بينها ، وكذلك في إعلانها للمعاصي ومجاهرتها بها ، وإعلانها الحرب على الله - سبحانه وتعالى - بما تجهر به من معاصيه ، وهذا هو الذي ينبغي أن نفقهه ، وأن نفطن إليه ، وأن نعرف توجه أعداء الأمة لترسيخ هذه المعاني في حياة الأمة .