ثم نعرف أن التغيير وأن النصر آتي وقد حديثنا كان يقدم الهزائم على الانتصارات لأننا إلى حد ما في ظلال الهزائم، والانتصارات هي الأمل المرتقب بإذن الله عز وجل، وقد بدت بشائره وتبدو هنا وهناك، وتبدو في عودة الأمة إلى ربها واعتزازها بإسلامها وإيمانها وولاءها لله وبراءتها لأعداء الله، وأخذها باسباب الألفة والوحدة والاجتماع، ونبذها لأسباب الفرقة، وإن كانت هذه الصور جزئية هنا وهناك، ويسعى أعداء الله إلى إطالة أمدها وإلى تعميق آثارها وإلى توسيع دائرتها حتى لا تقوم للمسلمين قائمة، ولذلك أكثر ما يبتلى به المسلمون الشقاق والنزاع، وأكثر ما يسلط عليهم ليفتنوا الفساد والانحراف .
ولذلك أنا أوجز الحديث هنا لأختم هذا اللقاء في ما يتعلق بتكريس أسباب الهزيمة في الأمة، هناك أوضاع ومجالات تكرِّس أسباب الهزيمة والحق أن الحديث عنها الأصل أنه يطول، لكن الإشارة تغني عن الإفاضة والتوسع، مجالات كثيرة سلط أعداء الله عليها الجهود لتبقى في الأمة أسباب الهزيمة والضعف وذلك في مجالات ثلاثة رئيسة ومهمة، ربما تكون أبرز وأظهر هذه المجالات:
مجالات الضعف والهزيمة
المجال الأول: المجال السياسي
أولاً: زرع الفُرْقَة بين المسلمين على مستوى دولهم وتقطيع أوصالهم وإثارة النِزاعات العرقية والخلافات الحدودية وغير ذلك من هذه الأسباب .
ثانياً: تنحية شرع الله في كثير من بلاد المسلمين وتغييبه عن واقع الحياة .
ثالثاً: الموالاة لأعداء الله والسير في فلكهم والتحقيق لأطماعهم في بلاد المسلمين والموافقة لهم في مخططاتهم والسير وراءهم فيما يخططون ويدبرون من كيد وتدمير وهدم لبلاد المسلمين، وكذلك أيضاً في صور أخرى متعددة يطول ذكرها .
المجال الثاني: مجال التعليم
الذي يصبغ الأمة بصبغات شتى بحسب ما يوجه في أذهان أبناء الأمة المسلمة في شرق الأرض وغربها، فإذا بنا نجد مظاهر منها
1 ـ الفصل بين التعليم الديني والمدني كما يسمى .
2 ـ التضييق على التعليم الإسلامي
3 ـ تغيير المناهج وإبعادها عن الروح الإسلامية وربط الأمة بدينها وتاريخها، وذلك ظاهر في كثير من بلاد الإسلام والمسلمين .
حتى إن كل توجه يصبغ أول ما يصبغ الأمة عبر مناهج التعليم، ولذلك نجد هذه الصورة واضحة، حتى إن بعض البلاد اختزل فيها تاريخ الأمة المسلمة اختزالاً مشيناً، فنجد حظ تاريخ وترجمة عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يتجاوز سبعة أسطر وحظ تاريخ عثمان رضي الله عنه الطويل المديد لم يتجاوز خمسة أسطر في مناهج بعض البلاد العربية المسلمة، وهكذا يسلط على الأمة في هذا المجال والميدان الكثير من الأدواء والانحرافات التي تعمِّق هذا الجانب، وتغيير الأفكار وتشتُّت الأذهان وتقطُّع الأمة عن تاريخها والمجالات في ذلك كثيرة .
4 ـ يجعل للمواد الدينية منزلة أدنى من غيرها، وذلك من خلال ما يحدث في بعض البلاد بأن لا يدخلوا المواد الدينية في النجاح والرسوب، ينجح أو يرسب في المواد الدينية ليست هناك مشكلة، أو لا تدخل في معدلات النسب والتقديرات من الامتياز وغيره .
5 ـ اغتيال وإضعاف منابر التعليم الإسلامي ذات الأثر والتاريخ العريق، وتفريغها من مضمونها ومحتواها، وتحويرها وتحويلها إلى صور لا حقيقة لها أو إلى مظاهر لا باطن لها .
المجال الثالث: المجال الإعلامي
الذي يغير في الأمة ويرسِّخ فيها كثيراً من مجالات الانحراف والأخطاء العقدية والسلوكية والفكرية ويظهر ذلك في صور شتى كثيرة، أبرزها وأهمها
1 ـ وجود التناقض بين الحكم والواقع، بينما يأتي البرنامج الذي يسمى برنامجاً دينياً حكم غناء المرأة وحكم رقص المرأة، ثم يأتي هذا الغناء بعده وهذا الرقص فيُشْعِر الناس بالتناقض، أو إما أن يقبلوا هذين على أن كلا منها ما لله لله وما لقيصر لقيصر، او يضطرب الناس فيظنون الحلال حراماً والحرام حلالاً .
2 ـ ما يسلط على الأفكار والمعتقدات من الانحرافات فضلاً عن ما يفتك بالمسلمين في قضايا الانحراف السلوكي عبر الخلاعة والمجون وغير ذلك .
3 ـ تعظيم الأجنبي غير المسلم، وإعطاءه صورة من الحضارة والرفعة حتى أنه لا يظهر إلا في صورة المعظم المبجل، بينما غيره من المسلمين لا يعطى مثل هذه الصورة .
4 ـ تسليط الأضواء في مجتمعات المسلمين ليس على الأخيار ولا على الأبرار ولا على الدعاة العاملين ولا على العلماء المخلصين، وإنما تسلَّط الأضواء على من تاريخهم يشهد بخيانتهم للأمة وانحرافهم عن نهج الله عز وجل، وإن كانوا كما وصف النبي صلى الله عليه وسلم من بني جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا فهذه المجالات كلها ومثلها تكرِّس أسباب الهزيمة وصورها في واقع المجتمعات.