فهرس الكتاب

الصفحة 4202 من 9994

أن يكون من المسلمين من ينصر أعداء الدين على إخوانه المسلمين ، وهذه البلية التي ما يزال المسلمون مبتلون بها في هذا العصر ، وبعضهم يحالف أعداء الله ضد إخوانه من المسلمين ومن أولياء الله ، فأول ما ذكر جاءت إليه أمداد صاحب الموصل ، تقدم فروض الولاء والطاعة ، وتقدم المعونة والنصرة لهم فهذا أعظم بلاء وأعظم سبب من أسباب الهزيمة .

السبب الثاني: التنبه بانقطاع اللهو

ثم قال - وهذه صورة مهمة جداً -:"وأحاطت التتار بدار الخلافة في وسط بغداد - يعني قد دخلوا إلى بغداد - يرشقونها بالنبال، من كل جانب، حتى أصيبت جارية كانت تلعب بين يدي الخليفة وتضحكه ، وكان من جملة حظاياه وكانت مولدة تسمى عرفة ، جاءها سهم من بعض الشبابيك فقتلها وهي ترقص بين يدي الخليفة ، فانزعج الخليفة من ذلك وفزع فزعاً شديداً ، قبل ذلك لم يكن يعلم من أمره شيئاً ، وأحضر السهم الذي رميت به الجارية ، فإذا مكتوب عليه إذا أراد الله إنفاذ قضاءه وقدره أذهب من ذوي العقول عقولهم ، فأمر الخليفة عند ذلك بالاحتراز ، وكثرة الستائر عند دار الخلافة". وذلك بعد أن دخلوا البلد ، ووصلوا إلى دار الخلافة ، والخليفة في مجلسه ، والجارية ترقص بين يديه ، وما انتبه إلا بعد أن جاءها السهم وقُتِلت، ففزع فزعاً شديداً فأمر بالاحتياط والتحرز، وهذه تبين لنا هذا الداء من أعظم أسباب البلاء عند الأمة المسلمة .

كما يقول القائل:

إذا كان رب البيت بالدف ضارباً *** فشيمة أهل البيت كلهم الرقص

عندما يكون الذي يُنْتَظَر منه الجد ، والتحفّظ ، والتيّقظ ، والأخذ بأسباب مصالح المسلمين ، ورفع رايتهم ، وتحقيق أسباب عزتهم ، لاهياً ساهياً غافلاً نائماً لا يدري عن أمره شيئاً، فهذه لا شك أنها صورة مفزعة ، بمجرد أن ينظر إليها الإنسان ويتأمل يحكم بالهزيمة وهو مغمض العينين من غير تفكير ، ثم نتابع مع ابن كثير - رحمة الله عليه - في وصفه لخليفة الوقت في ترجمته:

"ولكن كان فيه لين ، وعدم يقظة ، ومحبة للمال وجمعه ، ومن جملة ذلك أنه استحل الوديعة التي استودعها الناصر داود بن المعظم ، استودعه وديعة - وهو الخليفة - فأخذ هذه الوديعة واستولى عليها ، وكان قيمتها نحواً من مئة ألف دينار فاستُقْبِح هذا من الخليفة ، وهو مستقبَح ممن هو دونه بكثير".

السبب الثالث: ضعف الاستعداد وخلوّ الإمداد

ثم مضى ابن كثير يصوِّر لنا السبب الثالث الخطير من أسباب الهزيمة، ولعل السائل أن يسأل: أين الجيوش ؟ كيف دخل التتار ووصلوا إلى دار الخلافة ؟ فهذا جواب ابن كثير - رحمة الله عليه - يقول:

"وجيوش بغداد في غاية القلة، ونهاية الذلة ، لا يبلغون عشرة آلاف فارس ، وهم وبقية الجيش قد صرفوا عن إقطاعاتهم الأجور ، والرواتب لا توجد ، حتى استعطى كثير منهم في الأسواق ، وأبواب المساجد ، وأنشد الشعراء القصائد يرثون لحالهم ويحزنون على الإسلام وأهله".

هذا حال الجيش الذي كان في ذلك الوقت لماذا ؟ لأن الخليفة لم يكن متفرغاً لتقوية الأمة ولا لإعداد الجيش ، ولا لتحقيق قول الله جل وعلا: { وأعِدُّوا لهم ما استطعتم من قوة } .

ولتحقيق قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( المؤمن القوي خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير ) .

فكانت هذه جيوش بغداد الجنود يستعطون ويطلبون العطايا من الناس في الأسواق وأبواب المساجد، هؤلاء العشرة الآلاف البقية الباقية . فإذاً ضاعت الأمة عندما ضاعت قوتها وهيبتها وشوكتها .

السبب الرابع: الطابور الخامس

كما يسميه الناس اليوم الطابور الخامس ، الذي يعمل في الأمة أكثر مما يحتاج الأعداء ومما يأملون ومما يتوقعون ، قال ابن كثير:"وكل ذلك عن آراء الوزير ابن العلقمي الرافضي ، كان هو وزير الخليفة رافضياً شيعياً خبيثاً متمالِئاً مع الأعداء ، فهو الذي فعل هذه الأفاعيل". يقول ابن كثير:"حصل هناك نزاع بين أهل السنة وبين الشيعة ، وانتهبت بعض دورهم ، فكان هذا مما أهاجه على أن دبَّر للإٍسلام وأهله ما وقع من الأمر الفظيع الذي لم يؤرخ أفظع منه منذ أن بنيت بغداد ، وإلى هذه الأوقات ولهذا كان أول من برز للتتار كان هذا الرجل ، وماذا كان قد صنع من قبل ، كان الوزير ابن العلقمي قبل هذه الحادثة يجتهد في صرف الجيوش ، وإسقاط أسماءهم من الديوان ، فكانت العساكر في عهد المستنصر قريبة من مائة ألف ، وجاء التتار وهم عشرة آلاف من المتسولين ، كانوا مائة ألف عِدة هذا جيش وعساكر وجنود، وبقوا عشرة آلاف من المتسولين ، وهذا من فعل هذا الخبيث ، فلم يزل يجتهد في تقليلهم إلى أن لم يبقى إلا عشرة آلاف ، ثم كاتب التتار وأطمعهم في أخذ البلاد، وسهل عليهم الأمر وحكى لهم حقيقة الحال وكشف لهم ضعف الرجال".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت