"إنا قد تبايعنا على الموت، ونحن لا نزال نقاتل حتى نقتل، ولا نسلم هذا البلد أحياء ، فأبصروا كيف تصنعون في شغل العدو عنا، ودفعه عن قتالنا ـ ثم المحاصرون هؤلاء المستضعفون ماذا يقولون لصلاح الدين، فهذه عزائمنا وإياكم أن تخضعوا لهذا العدو، أو تلينوا له فأما نحن فقد فات أمرنا ـ نحن قد بعنا أنفسنا لله وتبايعنا على الجهاد، فلا تلينوا للعدو ولا تضعفوا أبداً".
ط - روح لا تَكِلَّ تجاه من كلّ
ثم نجد هذه الصور واضحة جداً في قوة المسلمين وترابطهم وارتباطهم بالله سبحانه وتعالى ، من ذلك ما تشير إليه وقائع التاريخ أن صلاح الدين كاتبه أحد ملوك النصارى عندما كان يحاصر عسقلان ، فأراد هذا الملك أن يكتب صلحاً مع صلاح الدين قبل الشتاء حتى يرجع إلى بلده ، فأرسل إلى صلاح الدين رسولاً يقول له: إن لم يكتب الصلح في هذه الأيام القريبة وإلا سيضطر مولانا إلى أن يشتي في هذه البلاد - يعني سيدركه الشتاء ولا يستطيع أن يتحرك أو ينتقل - فماذا كتب له صلاح الدين ؟ كتب له كتاباً نفيساً وملفتاً، يقول:
"أما النزول عن عسقلان - يعني ترك الحصار - فلا سبيل إليه ، وأما تشتيته- يعني بقاءه هو وجنده في هذه البلاد - فلا بد منه ؛ لأنه قد استولى على هذه البلاد ويعلم أنه متى غاب عنها أخذت بالضرورة ، وإذا أقام إن شاء الله يعني إن ذهب وإن بقي سيأخذها المسلمون بإذن الله عز وجل"، ثم يقول:"وإذا سهل عليه أن يشتي هنا ، ويبعد عن أهله ووطنه مسيرة شهرين وهو شاب في عنفوان شبابه ووقت اقتناص لذاته، ما أسهل عليّ ، أن أشتي وأصيف وأشتي وأصيف وأنا وسط بلادي وعندي أولادي وأهلي، وأنا أعتقد أني في أعظم العبادات، ولا أزال كذلك حتى ينزل الله نصره".
من أهازيج النصر
هذه روح الأمة ومواقفها في ذلك الوقت ، ولما كتب الله لهم النصر ما طغوا ، ولا بغوا ، ولا جحدوا نعمة الله عز وجل ، ولا فسقوا ، ولا فجروا ، بل صورت لنا كتب التاريخ والمراسلات في ذلك الوقت ما صنع المسلمون ، وبأي شيء فرحوا ؟ ولم يفرحوا بالبلاد ولا بالأموال ، وإنما فرحوا بنصرة دين الله ، وتطهير مساجد المسلمين من أوضار المسيحية والتثليث .
فكتب القاضي الفاضل يهنئ صلاح الدين بحطين ، ويقول له عن أهل مصر في مصر:
"والرؤوس إلى الآن لم ترفع من سجودها ، والدموع لم تمسح من خدودها شكراً لله عز وجل".
ويقول هو عن نفسه أي صلاح الدين:
"وكلما فكر الخادم أن البِيَع ، يعني الكنائس تعود مساجد ، والمكان الذي يقال فيه إن الله ثالث ثلاثة، يقال فيه أنه الإله الواحد".
فيقول أنه لا يوجد أعظم من هذا الفرح ولا أجمل منه ، ولذلك لما كتب صلاح الدين يبشر أخاه بالنصر قال له:
"وعاد الإسلام بإسلام بيت المقدس إلى تقديسه ، ووضع بنيان التقوى إلى تأسيسه ، وزوال ناموس ناقوسه ، زالت النصرانية ، وبطل بنص النصر قياس قسيسه ، ودنا المسجد الأقصى للراكع والساجد ، وامتلأ ذلك الفناء بالأتقياء الأماجد ، وطنت أوطانه بقراءة القرآن ورواية الحديث ، وذكر الدروس وحديث هدي الهدى ، وزارها شهر رمضان ، مضيفاً لها نهارها بالتسبيح وليل فطرها بالتراويح".
إذاً كانت هذه الصورة، واستدعى المهنئون تاريخ الأمة ، وقال الخطيب القاضي زكي الدين في أول خطبة في المسجد الأقصى بعد فتحه وتحريره ، قال مخاطباً صلاح الدين قال:
"جددتم للإسلام أيام القادسية ، والملامح اليرموكية ، والمنازلات الخيبرية ، والهجمات الخالدية ، فجزاكم الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء ، فاقدروا هذه النعمة حق قدرها ، وقوموا لله تعالى بواجب شكرها ، فله المنة عليكم بتخصيصكم بهذه النعمة"إذاً رأينا كيف تحقق النصر عندما جاءت هذه الصورة بعد تهيئة أسبابها .
سقوط بغداد
أكثر تأثيراً وأعمق في تجلية صورة الهزيمة والنصر، ذكر ابن كثير هذه الحوادث في شهر محرم من عام 656 هـ والحقيقة أن نص ابن كثير يغني عن كل تعليق ، وكل ما نذكره هنا من هذه الوقائع ينبغي أن نربطه بواقع الأمة ، ولا يحتاج ذلك لا إلى تعليق ولا إلى تفصيل ، بل إن الناظر يرى ذلك أمام عينيه ، ويسمع أحداث ما يقع للمسلمين بإذنيه ، فلا يكاد يخطئ شيئاً من ذلك أبداً ، والتاريخ يعيد نفسه ؛ لأن الأمر مرتبط بسنة الله - عز وجل - ولن تجد لسنة الله تبديلاً ، ولن تجد لسنة الله تحويلاً ، يقول ابن كثير في وصفه هذه الوقعة يقول:
"جاء التتار إلى بغداد ، وجاءت إليهم أمداد صاحب الموصل، يساعدونهم على البغاددة، ومعه ميرته وهداياه وتحفه، وكل ذلك خوفاً على نفسه من التتار، ومصانعة لهم قبحه الله".
من أسباب السقوط
السبب الأول: محالفة الأعداء ضد المسلمين