فهرس الكتاب

الصفحة 4200 من 9994

ثم سعى بعد ذلك إلى معركة الفرقة القاتلة ، حيث كان المسلمون أمارات مختلفة ، وبعضها متنازعة وبعضها متناحرة ، فسعى إلى ضم بعضها الى بعض فضم مصر إلى الشام وأرسل أخاه إلى اليمن وأخذ اليمن معه ، ثم جمع كثير من بلاد المسلمين تحت راية واحدة ، واجتمعت الكلمة عليه ، وانضوى تحته الأمراء والقادة فتقدمت الأمة حينئذ بأسباب النصر .. ثقة بالله عز وجل ، وتحققاً بصدق الارتباط به ، وصحة الاعتقاد فيه سبحانه وتعالى ، ثم بارتباط بكتاب الله ، وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - علماً ونشراً ودعوة ، ثم بتطهير المجتمع من المعاصي والمفاسد ، ثم بتوحيد الأمة تحت راية واحدة ، فلم تكن بعد ذلك حطين إلا تحصيل حاصل .

هـ - التحريض والحث

وختاماً لهذه الجهود التي قام بها صلاح الدين ، ولعلنا - أيضاً - نقف مع ومضات تاريخية ، نرى فيها هذه الصورة كيف اجتمعت في صلاح الدين ؟ وكيف كان حال الأمة في ذلك الوقت ؟ بعد أن رأينا ومضات من حالها وقت سقوطها ، فمما ورد في هذا الشأن أن النصارى بنوا حصنا بجوار دمشق ، وبدأوا يناوشون ملك حماة الملك المظفر ، فكتب إليهم طالباً أن يهدموا هذا الحصن ، فقال: نعم نهدمه، ولكن تدفع لنا أجرة بناءه ، فدفع لهم مائة ألف فطمعوا وزادوا ، فكتب إلى صلاح الدين يستشيره - إذاً كان صلاح الدين مرجعاً لأولئك - فأرسل له يستشيره في أن يدفع لهم أو يزيد ؟، فقال له صلاح الدين حتى نرى تأثيره رحمة الله عليه:

"أقول هذا الرأي الذي قد أزمعت عليه ليس بشيء ، وإن الله يسألك عن إعطاءهم هذا المال، تعطي أعداء الله المال لماذا ؟ وأنت قادر على المسير إليهم والرأي ما هو الرأي والرأي أن تصرف هذا المال على الأجناد وترغبهم في الجهاد، بدل أن تصرف المال لأعداء الله أعد العدة لذلك وسر بعساكرهم إليهم والله في معونتك ونصرك".

و - التأليب والتحفيز

ثم يصور لنا صلاح الدين - وقد كاتب الأمراء والقواد ليحتشدوا لهذه المعركة حطين - فماذا صور لنا في ذلك النداء ؟ فيكتب صلاح الدين في رسالة له إلى المظفر صاحب مصر في سنة 579 هـ يقول:

"وقد كاتبنا أمراء الأطراف باستعدادهم لاستدعائهم ، وأن يحزموا بجميع العساكر أوامرهم لأمرائهم ـ فماذا كانت النتيجة ؟ - فما منهم إلا من يسابق إلى تلبية النداء ، ويسارع إلى إجابة الدعاء ، ويعشق لقاء الأعداء ولا عشق لقاء الأحبة".

يعشق لقاء الأعداء أكثر من عشقه لقاء الأحبة ! إذاً قد سرت في الأمة روحاً جديدة لم تكن موجودة فيها وقت سقوطها ؛ لأن بيت المقدس لم يكن لقوة النصارى ، فقد جاء النصارى من أواسط آسيا ، ووصلوا إلى بيت المقدس وقد هُدَّت قواهم ، وقد لاقوا بعض المجاعة في الطريق ، وجاءوا في صورة مرهقة ومتعبين ، ولكن وجد من هم أضعف منهم ، ومن هم أشد في التعب منهم ، فانتصروا عليهم ، وتماماً مثل الجدار المتصدع إذا وضعت يدك على مثل هذا الجدار سقط ، وليس هذا من قوة يدك ولكن من قوة ذلك الجدار ، وما انتصر على أمة الإسلام إلا لضعفها لا لقلة أعداءها ، فهنا ذكر لنا صلاح الدين في استجابة الأمة .

ز - قيادة علمية على طريق النصر

ثم انظروا إلى دور العلماء في عهد صلاح الدين .. جعل لهم مكانتهم البارزة ، وجعل لهم قيادتهم الرائدة، وجعل لهم كلمتهم المسموعة ، كتب القاضي العادل إلى القاضي الفاضل، إلى صلاح الدين يقول له:"إن الله تعالى لا ينال ما عنده إلا بطاعته ، ولا تفرج الشدائد إلا بالرجوع إليه ، والامتثال لأمر شريعته ـ العالم يقول للقائد والأمير - المعاصي في كل مكان بادية والمظالم في كل موضع فاشية".

يعني لا بد أولاً أن تصلح هذا الجانب ، وأن تصحح هذه الأوضاع الخاطئة .

ويقول في رسالة أخرى يشخص الداء الذي في الأمة قبل أن تواجه أعداءها:"إنما أوتينا من قبل أنفسنا ، ولو صدقنا لعجل الله لنا عواقب صدقنا ، ولو فعلنا ما نقدر عليه من أمره لفعل لنا ما لا نقدر عليه إلا به"، ثم يقول له:

"ولا يغتر بكثرة العساكر والأعوان ، ولا فلان الذي يعتمد عليه أن يقاتل فلان ، فكل هذه مشاغل وليس بها النصر ، وإنما النصر من عند الله ولا نُؤمَن أن يكلنا الله إليها والنصر به واللطف منه ، واستغفر الله تعالى من ذنوبنا ، فلو لا أنها تسد طريق دعاءنا لكان جواب دعاءنا قد نزل ، وفيض دموع الخاشعين قد غسل".

هذه القيادة العلمية الراشدة الموجِّهة التي تكشف الخلل ، وتبين الخطأ ، وتدعو إلى الإصلاح الذي فيه صلاح ما في الأمة وخالقها قبل أن يدخلوا في معركة مع الأعداء هذه القيادة يكون لها دور كبير في النصر .

ح - تحريض وإباء تحت الحصار

ثم انظروا إلى روح الأمة في ذلك الوقت ، المحاصرون في عكا حوصروا حصاراً شديداً ، ما بلغ شدة الحصار من نفوسهم وعزائمهم ، وكانوا يستنجدون بصلاح الدين ليفكوا عنهم الحصار ، فكتبوا إليه يقولون له:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت