"إن أمة قتلت عميدها في يوم عيدها في بيت معبودها لحقيق على الله أن يبيدها".
كيف تنتصر وبينها هذه الخلافات ؟ كيف تنتصر والأحقاد تتسلط عليها ؟ كيف تنتصر وهي ليست موجهة نحو إعلاء كلمة الله ، ورعاية مصلحة الأمة المسلمة ، وفي نفس الوقت أيضاً انظر إلى الصورة المقابلة عندما هيأ الله - عز وجل - بعض أسباب النصر .
صور قبل معركة حطين
أ - خلاص قبل الاستخلاص
ننتقل إلى الوقت الذي جاء فيه نصر الله عز وجل ، وكلنا نعلم أن النصر وتخليص بيت المقدس جاء بقدر الله على يد صلاح الدين ، والناس كلهم يقولون: جاء صلاح الدين وانتصر في يوم حطين وخلص القدس من الصليبيين ، وكأن المسألة انحصرت في تلك المسألة التي خاضها صلاح الدين - رحمة الله عليه - والأمر ليس كذلك ، إن صلاح الدين خاض قبل هذه المعركة أربع معارك هي أشد وأشرس وأقوى ، وهي من أعظم ما هيأ النصر لذلك اليوم العظيم في يوم حطين ، لم يأتي صلاح الدين هكذا ليجمع الجيوش بالقوة ثم ينتصر بعد ذلك ، بل حارب في مواقع أربعة قبل أن يلاقي النصارى في حطين .. حارب الكيانات الفاسدة ، وحارب الجهالات الخاطئة ، وحارب الانحرافات المفسدة ، وحارب كذلك الفِرْقة القاتلة والناخرة في الصف .
وسأذكر ذلك بشيء من الإيجاز .. حارب الكيانات الفاسدة ، التي كانت تعمل في الأمة من الفساد والتدمير أكثر مما يعمله أعداءها ؛ لأن في حقيقة الأمر كان مما هيأ الله - عز وجل - لصلاح الدين وأجرى على يديه أن قوَّض الدولة الفاطمية العبيدية الرافضية ، التي أضاف إليها الذهبي في سير أعلام النبلاء لفظ"اليهودية"، قبل أن يتوجه إلى بيت المقدس أزال هذا الورم السرطاني الذي ظل يرزح على الأمة المسلمة وفي بلادها دهراً طويلاً ، وعاث فيها فساداً في الاعتقاد ، وتخريباً لمقدرات الأمة ، وممالئة لأعدائها ، فتوجه صلاح الدين - رحمة الله عليه - ومهد له من قبل نور الدين زنكي ، توجه أولاً ليستأصل هذه الدولة الرافضية ، وبالفعل قوَّض مُلكها ، ودخل مصر فاتحاً ، وألغى وجودها من التاريخ ، وجعلها صفحات مذكورة في طيَّات التاريخ ، ولم تقم لهم - بحمد الله -قائمة في عهده وإلى سنوات طويلة بعده رحمة الله عليه، فقد وجه هذا .
ب - إراقة الخمور
رأى صلاح الدين في الأمة انحرافات سلوكية ، فكانت الخمور والخمارات ، وكان الفساد والانحراف مستشرياً ، يضعف في الأمة إيمانها ، ويحقق فيها من أسباب البلاء ومن أسباب نزول سخط الله ، وارتفاع رحمته ، وبُعد نصره - سبحانه وتعالى - الشيء الكثير، فكان من جملة أعماله المباركة أن وجَّه جهوده للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وإزالة أسباب الفساد ، فأغلق الحانات ، ومنع شرب الخمور ، وعاقب المخالفين ، وطهَّر المجتمع المسلم من الإعلان بالحرب على الله - عز وجل - من خلال المجاهرة بالمعاصي ، ولا يمكن أن تتوجه للعدو السهام مغروسة في ظهرك من أثر هذه المعاصي ، التي ذكر ابن القيم في كتاب [ الجواب الكافي ] من آثارها الوخيمة - ليس على مستوى الفرد بل على مستوى الأمة والكون كله - كلاماً جميلاً لولا ضيق الوقت والمقام لذكرت شيئاً منه .
ج - إحياء الحركة العلمية
طهر صلاح الدين هذا المجتمع المسلم من هذه الأوضار والمعاصي ، وكان ذلك معركة قوية هيأ بها الأمة لحصول النصر ، ثم كان هناك جهالات خاطئة ، وكان هناك ضعف في الناحية العلمية ، وقلة في التعلق بعلم كتاب الله ، وسنة رسول الله وكانت هناك شطحات صوفية ، وكانت هناك خرافات قد عشعشت في العقول ، وغير ذلك من الأمور ، فجعل دأبه أن يقوي وينشط الحركة العلمية التي تقوي الأمة ، وتربطها بكتاب الله ، وبسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتربطها بعلماءها وقادتها ، ولذلك عمل عملاً كبيراً في تنشيط الحركة العلمية ، وبنى المدارس التي كثيراً منها في بلاد الشام ومصر يعود إحيائه أو إنشاءه إلى صلاح الدين - رحمة الله عليه - كالمدرسة الأشرفية والصالحة والعادلية وغيرها وكثيرٌ منها ، و أحيى ما درَس من العلم ، وقوَّى الحركة العلمية فنشر علم الكتاب والسنة وربط الأمة بسلفها وعلماءها ، ووطد أركان هذا العلم في المجتمع ، فكان ذلك أيضاً توطئة ومعركة خاضها رحمة الله عليه .
د - توحيد الرايات