فهرس الكتاب

الصفحة 4198 من 9994

في بيت المقدس لننظر كيف كان توجُّه المسيحيين في ذلك الوقت ؟ وكيف توجهوا لقتال المسلمين ؟ وبأي منطق وتحت أي مبدأ تجمعوا ؟ نقرأ في سطور التاريخ وفي وقائعه ، ما ينبئنا عن أن في كل جولة لا بد من تحقق الأسباب ، ومن رؤية معالم هي التي تكون بها الهزيمة، أو يقع بها بعد إذن الله - عز وجل - النصر .. تجمع المسيحيون تحت راية المسيحية وتنادوا باسمها ، وهذا المكمن الذي ينبغي أن يعلم المسلمون أنه لا نصر لهم إلا تحت راية الإسلام ، وإلا أن يتنادوا باسم نصر العقيدة والإيمان ، أما غير ذلك فقد رأت الأمة هذه الصورة ، وتجرعت مرارتها حينما تجمعت مرة باسم القومية ، وثانية باسم البعثية ، وثالثة باسم الاشتراكية ، فهوت كل واحدة بها إلى هاوية وبُعدٍ سحيق ، هنا في ذلك الوقت ماذا كان من المسيحيين ؟ نجد أن إمبراطور القسطنطينية يبعث إلى ملك آخر من ملوك المسيحية في ذلك الوقت، ويناديه بنداء يستصرخ فيه الهمة بقتال المسلمين ، فماذا يقول إلى رجال الدين والدنيا:

"تحية وسلاماً أيها السيد العظيم حامي حمى العقيدة المسيحية أود أن أحيطك علماً بما وصل إليه تهديد الأتراك - يعني السلاجقة المسلمون - للإمبراطورية المسيحية المقدسة، فهم يعملون فيها السلب والتخريب كل يوم، ويتوغلون في أراضيها دون انقطاع وكم من مذابح وتقتيل وجرائم تفوق حد الوصف يقترفونها، ضد المسيحيين الإغريق".

وهذا أكثره كذب ، فضلاً عن السخرية والتحقير ؛ فإنهم يذبحون الأطفال والشباب داخل أماكن التعميد ، حيث يريقون دماء القتلى محتقرين بذلك المسيح، ثم يقول:

"لذا أستحلفك بمحبة الله ، وباسم جميع المسيحيين الإغريق أن تمد لنا وللمسيحيين الإغريق العون والمساعدة ، وذلك بتقديم جميع جنود المسيحيين من كبير وصغير، فضلاً عن العامة ممن يتسنَّى جمعهم من بلادك".

فهذا تنادٍ باسم الإيمان والعقيدة الباطلة ، وتنادٍ بالنصرة بالقوة الفعلية المؤثرة ، وليس بمجرد القول أو الشجب أو الاستنكار أو البيانات ، وليس تحت راية علمانية أو اشتراكية أو غيرها ، فهكذا كان تجمُّعُهم في ذلك الوقت ، وكانت نظرة حديثهم بل إن الذين كانوا يقودون تلك الحروب ويؤججونها ضد المسلمين هم زعماء الدين ، فهذا البابا أوريان الثاني أيضاً يوجِّه في مؤتمر كلير مونت ، في ذلك الوقت نداءه إلى أبناء الملة المسيحية كلها:

"يا شعب الفرنجة .. شعب الله المحبوب المختار، لقد جاءت من تخوم الصين ومن مدينة القسطنطينية أنباء محزنة تعلن أن جنساً لعيناً ـ يقصد به المسلمين - أبعد ما يكون عن الله قد طغى وبغى في تلك البلاد - أي بلاد المسيحيين - وخرّبها بما نشره فيها من أعمال السلب وبالحرائق ، ولقد ساقوا بعض الأسرى إلى بلادهم ، وقتلوا بعضهم الآخر بعد أن عذبوهم اشنع تعذيب ، وهم يهدمون المذابح والكنائس بعد أن يدنسوها برجسهم".

إذاً مرة أخرى نداء العاطفة العقدية الإيمانية، ثم يقول:

"ألا فليكن لكم من أعمال أسلافكم ما يقوِّي قلوبكم ، أمجاد شارلمان وعظمته وأمجاد غيره من ملوككم وعظمتهم فليثر همتكم ضريح المسيح المقدس ربنا ومنقذنا".

تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً

هنا مبدأ مهم ، وهو القدوات التاريخية التي ترتبط بها الأمة فتثير بذلك في النفوس الهمة والعزيمة . واليوم يغيَّر التاريخ ويدلَّس لتغيَّب القدوات الصالحة ، ويغيَّب الأئمة من العلماء ، ويغيَّب القوَّاد من المجاهدين ، وتظهر القدوات الفاسدة ، التي لا تقدِّم ولا تؤخِّر ، بل حقيقة دورها أنها تشوه وتمسخ ، وأنها تغتال وتقتل كل قيمة إيمانية ، وكل همة وعزيمة وقوة في صفوف الأمة ، ثم يقول أيضاً لتتضح لنا الأسباب، ولو قلنا هذا الكلام للمسلمين لكانوا أولى به وأحرى ، يقول:

"طهروا قلوبكم إذاًَ من أدران الحقد ، واقضوا على ما بينكم من نزاع ، واتخذوا طريقكم إلى الضريح المقدس ، وانتزعوا هذه الأرض من ذلك الجنس الخبيث".

إذاً طالبهم بأن يزيلوا الأحقاد ، وأن يمنعوا الخلاف والنزاع لتتوحد الصفوف ونصب لهم هدفاً يهمُّهم ويُشغل بالهم ، حتى تتلاشى الأسباب الثانوية العارضة للاختلافات التي يثيرها الأعداء ليفرقوا صفوف الأمة ، هذه صورة موجزة لما كانوا يتنادون به .

لمحات من واقع المسلين بعد السقوط

أمة قتلت عميدها

ماذا كانت صورة الأمة المسلمة في ومضات أيضاً ، كان الملك أحد ملوك المسلمين حاكماً للموصل في ذلك الوقت ، وأراد بعد سقوط بيت المقدس أراد أن يجمع الجيوش لمحاربة النصارى ، لكن الأسباب كانت كثيرة غير مهيأة ولا مواتية ، فماذا حصل ؟ قُتل هذا الملك المسلم في يوم العيد بعد الصلاة في وسط المسجد غيلة ، فماذا وقع ؟ كتب ملك الفرنجة إلى من جاء بعده طغطكين ملك مسلم جاء بعده ، فكتب الملك النصراني له كتاباً فيه كلمات موجزة ، لكنها تُنْبؤ عن أن القوم كانوا ينظرون إلى أسباب الهزيمة لائحة أمام أعينهم ، فقال كلاماً جميلاً ذكره ابن كثير رحمة الله عليه يقول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت