فهرس الكتاب

الصفحة 4197 من 9994

ذكر ابن كثير في البداية والنهاية: أن عدة جيشهم كان نحو ثلاثين ألف قتلوا عن بكرة أبيهم ما بقي منهم إلا ثلاثة آلاف أسر بعضهم وجرح بعضهم وهرب بعضهم، أولئك الذين هزموا ما زال فيهم من أسباب النصر مما هُيئ لمجموعة قليلة منهم بأن يتحققوا بأسباب النصر ارتباطاً بمنهج الله وثباتاً على منهجه ، فنصرهم الله - عز وجل - وهم لم تهدأ جراحهم بعد ، ولم يتنفسوا الصعداء بعد أن هزموا في تلك الموقعة الشديدة.

اندحار بعد عامين

وفي عام 656 هـ وسيأتي حديثنا عن هذه مفصلاً عندما دخلت جيوش التتار بغداد - ونعلم سيرة التتار وقصصهم وما عندهم من الفظاعة والهول - ثم بعد عامين اثنين مرة أخرى، وفي يوم الجمعة في الخامس والعشرين من شهر رمضان المبارك في عام 658 هـ تأتي موقعة عين جالوت ، ويُكسر فيها التتار .. الجيش الذي لا يقهر كما يقال .. الوحوش التي لم تكن تنتسب إلى البشرية في ذلك الوقت عند الناس .. يكسرون كسرة ما سمع بمثلها من قبل ، لماذا لأن بعض الأسباب قد تحققت .

الثأر لدماء لم تجف

وقبل ذلك كان الانتصار الأعظم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أعقاب أحد ، لما دارت الدائرة على المسلمين في آخر المعركة ، ومضى منهم إلى الله - عز وجل - سبعون من الشهداء وأثخن البقية بالجراح ، وشُجَّ وجه النبي - صلى الله عليه وسلم - وكسرت رباعيته ، ودخلت حلقتا المِغْفَر في وجنته عليه الصلاة والسلام ، ثم رجعوا إلى المدينة وإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي أهل أحد أن يخرجوا ، بأي شيء ؟ هل طلبهم أو ندبهم أن يخرجوا للعلاج أو ليخففوا ما وقع بهم ؟ أمرهم وطلب منهم أن يخرجوا ليلحقوا بجيش المشركين بأبي سفيان ومن معهم من أهل قريش .. أولئك القوم الذين جراحهم ما تزال تنزف دماء وما يزال الواحد منهم يحمل يده المقطوعة أو رجله المقطوعة ، وأمر أن لا يخرج معهم أحد أبداًً ممن لم يشهد أحداً ، فماذا كان موقف الصحابة ما تخلف منهم رجل واحد .. { الذين استجابوا لله وللرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجرٌ عظيم * الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل }

خرجوا ما تخلف منهم رجل واحد، لأن الهزيمة لم تبلغ نفوسهم فتضعضعها، ولم تبلغ إيمانهم فتُضْعِفُه ، بل كان إيمانهم أعظم من الجبال الرواسي ، وهممهم أعلى من ذرى السحاب ، ولذلك استجابوا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما اعتبروا مهزومين ، بل خرجوا وأقاموا في حمراء الأسد ثلاثة أيام بلياليها ، فلما أراد أبو سفيان - بعد أن مضى - أن يرجع إلى المدينة ، ويتتبع جراحات المسلمين ، قال:"ما بلغنا من القوم مبلغاً .. ما قتلنا محمد صلى الله عليه وسلم ، ولا قتلنا أبا بكر ، ولا عمر ، ولا استأصلنا شأفتهم ، ولا غزونا مدينتهم .."، وكان يفكر بالرجوع ، فإذا به بأحد الأعراب ، فسأله: ما خبر محمد ؟ فقال رأيته هو وأصحابه يجد في أثركم ، فلاذ أبو سفيان بالفرار قناعة بالنصر الهزيل الذي حازه ووقع له .

فإذاً إذا لم تنل الهزيمة من الإيمان ومن النفوس والعزائم فإن الجولة القادمة وشيكة الوقوع بإذنه سبحانه وتعالى ، ولذلك فطن أعداء الأمة فلم يكن اعتناءهم - بعد دراسة طويلة بعد الحروب الصليبية - بكسر المسلمين عسكرياً وحربياً فحسب ، بل كانوا يريدون أن يطيلوا أمد الهزيمة دهراً طويلاً ، وأن يعمِّقوا تأثيرها في النفوس وفي القلوب والعقول والسلوكيات والأحوال الاجتماعية والاقتصادية حتى ينخروا في بنيان الأمة ، فلا تقوم لها قائمة في تصورهم ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين .

الوقفة الثالثة: مفاصل في تاريخ الأمة المسلمة

وهي لبّ موضوعنا نريد أن نقف في بعض المفاصل التاريخية لنقرأ بين السطور - كما ذكرت - ماذا وقع في الهزائم ؟ وكيف وقعت الانتصارات في تاريخ الأمة المسلمة ؟ هذه المفاصل كثيرة سأذكر منها اثنين بالتفصيل وإن سنح الوقت ذكرناً ثالثاً .

1 ـ ما يتعلق بسقوط بيت المقدس

2 ـ سقوط بغداد

3 ـ موقعة شقحب

لأن في هذه الوقائع دروساً عظيمة جداً

سقوط بيت المقدس

لمحات من واقع المسيحيين قبل السقوط

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت