فهرس الكتاب

الصفحة 4049 من 9994

وسوء الفهم ينشأ من مسائل فيها حق وصواب ، لكنه عند تنزيلها على الواقع يخطئ فيها ، ولا يحسن اتيانها ، أو يخل بميزانها ، فهو يقول على سبيل المثال:"الحق أحق أن يتبع"هذا كلام جيد نفيس مستحسن ، لا غبار عليه ، ولا نقد عليه ، لكنه قد يأتي بفعل يرى هو أنه يطبّق به هذه المقولة وهو عنها بعيد، كما قال أحدهم معلقاً على فهم لحديث رسول الله عليه الصلاة والسلام: ( الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ) إلى آخر الحديث ، قال تعليقاً على هذا:"لا إله إلا الله أعلاها يقاتل عليها صاحبها ، أما إماطة الأذى عن الطريق وإن كانت من شعب الإيمان ، فهل يقاتل عليها من أجلها ، لأنها هذه شعبة وتلك شعبة !!"من ساء فهمه قال كلها خصال ، وكلها شعب لا مناص من أن يكون موقفه في واحدة كموقفه في الثانية ، أو في سائرها ومثل هذا وأمثلته كثيرة ، يدخل في ذلك فقه مراعاة الأولويات ، وفقه درء المفاسد ، وجلب المصالح ، وتقدير أعظم المفسدتين ، وأعظم المصلحتين لجلب أعظم المصلحتين ، ودرء أعظم المفسدتين ، ونحو ذلك من أمور الكثيرة التي ذكرها أهل العلم ، ولست بصدد التشعب في مثل هذه القواعد ، فقد أسلفنا الحديث عنها في بعض الدروس ، ولعلي أشير أيضا في آخر الحديث التي جمعت نفائس من سير أسلافنا في بعض هذه المواضع والمواطن ؛ فإن من أمثلة سوء الفهم أن الإنسان يخطئ وكل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون ، فما أن يخطئ المرء خطأً حتى يرى من أولئك القوم شدة ، وغلظة ، وفظاظة هي أكبر من خطأه ، وهذا كما ذكر أهل العلم لا يجوز ولا يسوغ ؛ فإن الإنكار ينبغي أن يكون على قدر المنكر .

وكذلك تجد صور أخرى ؛ فإن سيئة واحدة عند بعضهم تمحو حسنات كثيرة ، والميزان على غير ذلك ؛ فإن الحسنات الكثيرة تمحو السيئات القليلة بإذن الله عز وجل ، ومقالات أهل العلم فيما يقع من خطأ العالم أو الفاضل كثيرة بأن سيئاته توهب لحسناته بإذن الله ، وأنه إذا وقع منه خطيئة أو سيئة أو زلل أو نحو ذلك ؛ فإنه إنما كان عن اجتهاد مغفور له ، وأنه إن كان غير ذلك فإن له سيئات مكفرة ، وإن كان غير ذلك فإن له توبة واستغفار يرجى له بها القبول عند الله فتمحو بها سيئاته ، وهكذا نجد هذا الباب فيه أمثلة كثيرة ، وقواعد عديدة ، ليس هنا مجال ذكرها . ولعل هذه الأسباب الثلاثة هي أكثر ما تدور عليه أسباب العدوان على إخوانهم .

ونقف الوقفة التي ربما تكون أهم من سابقاتها ، فليس من مهمتنا أن نقع فيما نحذر غيرنا منه ، فننتقد المعتدين بالاعتداء عليهم ، ونعاتب المجرِّحين بجرحهم ، وليس فيما ذكرنا شيء من ذلك إن شاء الله ، ولكن الإفاضة في مثل ذلك قد يكون له وجه من هذه الوجوه ، فليكن ما أسلفناه إنما هو التنبيه والتذكير والتعريف .

ثم نلتفت إلى ما هو أجدى وأحرى بنا جميعاً أن نتواصى به ، و هو"كيف نمنع هذا العدوان ؟"، فقد نكون نحن ممن وقع فيه ، وما منا أحد إلا وقد مر به خاطر سوء ، وألمّ به على بعض إخوانه سوء ظن ، وربما حمل على بعضهم شيء من ضغينة ، أو ربما كان لبعضهم له موقف ، فكان أن ردّ الصاع صاعين ، والنبي - عليه الصلاة والسلام -مضرب المثل عندما قال: ( لا يبلغني أحد عن أصحابي شيئاً فإني أُحُب أن أخرج إليهم وأنا سليم الصدر ) رواه أبو داود .

وكذلك عندما أخبر عن الرجل أنه من أهل الجنة فبات عنده عبد الله بن عمرو ، فلم يرى عنده كثير صيام ، أو كثير صلاة فتعجب من ذلك فقال له:"ليس إلا ما رأيت غير أني لا أبيت ليلة من الليالي وليس في قلبي غش ولا غل على أحد من المسلمين"قال:"بها بلغت وهي التي عنها نعجز"أو يعجز عنها الكثيرون .

وهذا ميدان من ميادين التنافس الإيماني ، والتربية الحقيقية ، التي ينبغي أن يكشف كلٌ نفسه أمامها ، ويصارح نفسه في ميدانها، حتى لا يُبقي في قلبه مساحة تسمح بأن يدخل في مثل هذه المزالق ، أو يخوض في مثل هذه المعامع والمهامع . فنسأل الله أن يجنبنا ذلك .

موانع العدوان

ونقف وقفة مع منع العدوان ، وكيف نأخذ أسبابه ؟ وكيف نتذكر أو نتواصى به ؟ ونأخذ بوسائله لعل الله أن يجنبنا أولاً ، ويجنب إخواننا جميعاً ؛ لأن المؤمن لا يكمل إيمانه حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ، فلا تقل فلان قد خاض في هذا فدعه ؛ فإنه قد وقع في هذه الفظائع ولكن ينبغي لك أن تدعوَ له بأن يجنبه الله عز وجل مثل هذه الأفعال القبيحة ، والأعمال الشنيعة .

ومما يذكر في سيرة الحسن البصري أنه أتاه آت فقال: إن فلاناً يغتابك ويذكرك ، ويقول فيك وفيك ، فما كان من الحسن البصري إلا أن انتقى تمراً من أطيب التمر وأحسنه ، ثم أخذ منه في إناء وذهب به إلى ذلك الرجل ، وقرع عليه باب بيته ، فلما فتح أهداه ، فتعجب الرجل ! قال:"ليس عندي من الحسنات ما أهديك فإني أَضنّ بها على غيري ولكن وقد أهديتني من حسناتك أهديك تمراً".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت