ولا شك أن هذا فيه بعض التنبيه والتذكير ولفت النظر ، وأن الإنسان ينبغي له أن لا يخوض مع الخائضين ، وأن لا يكون كما قلت يرد على المخطأ بخطأ مثله بل على أقل تقدير {وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما } ، وإذا كان له عزيمة وشرف وإيمان فليكن ممن يمتثل قول الله: { ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه وليٌ حميم } ورحم الله الشافعي وقد استفتحنا الحديث بكلامه فإنه كان يقول:"ما ناظرت أحداً إلا أحببت أن يظهر الحق على لسانه"تلك هي النفوس الكبيرة .. تلك هي القلوب المؤمنة .. الهمم السامية العالية ، وتلك هي العقول المتأملة المتفكرة المتدبرة ، هؤلاء أسلافنا وأئمتنا جمعوا إلى غزير العلم نقاء القلب ، وزاد التقوى الذي به بلغوا أعظم ما يبلغه من كان له علم وحفظ ، وإنما يبلغ المرء بتقواه أعظم مما يبلغه بعلمه ، والأمران مترابطان {واتقوا الله ويعلمكم الله } .
فنقف بعض الوقفات مع هذه الموانع ، التي نسأل الله أن يجنبنا وإياكم إياها ، نقسم الحديث عن هذا العدوان إلى ثلاثة أقسام .
أولاً: قسم نوجهه إلى المعتدين .
ثانياً: قسم نوجهه إلى السامعين الصامتين .
وثالثاً: نوجهه إلى المتضررين الذين ينالهم الأذى بمثل هذا .
موانع عدوان المعتدين
أولاً: تذكير وتنبيه
فنخاطبهم ونذكر أنفسنا وإيّاهم ببعض ما ينبغي أن ينتبهوا له . وأوله نداء نقول فيه احفظوا اللسان ، وقد جاءت الآيات في مثل هذا كثيرة ، والأحاديث عظيمة ، فالله جل وعلا قال: { قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم خاشعون * والذين هم عن اللغو معرضون } تأمل هذه الصفة التي ذكرت في أوائل صفات المؤمنين المفلحين ، وقال تعالى: { وإذا مروا باللغو مروا كراماً } وقال تعالى: { ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد } وقال جل وعلا: { ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولاً } وقال جلا وعلا: { ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه } وقال جل وعلا: { يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون } انظر إلى هذا الآيات في شأن هذا الاعتداء باللسان .
والنبي - عليه الصلاة والسلام - فيما صح عنه قال: ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت ) ، قال النووي - رحمه الله - في الكلام على هذا الحديث:"الكلام على أربعة أنواع:"
1-قول استبان لك رشده ، وتعيّن قوله ، فهو الواجب فانطق به .
2-وقول استبان لك غيّه ، والمنع منه ، فأمسك عنه .
3-وقول غلب على ظنك أن خيره أكثر من شره فتكلم به .
4-وقول لا تدري أيغلب خيره شره أم شره خيره فأمسك عنه"."
ومما يذكر من كلام حكماء الصين أن أحدهم كان يقول عبارة فيها لطافة ظرافة ، وهي تتعلق بالزرافة ، قال: كان يرغب أن تكون له رقبة مثل رقبة الزرافة ، فلما سئل عن ذلك قال حتى يكون هناك وقت بين صعود الكلمة وخروجها ، فأتأمل فيها ؛ فإن كانت في الحكمة والصواب أنفذتها وإلا أمسكتها . ولا شك أنها حكمة من حكيم .
والنبي - عليه الصلاة والسلام - قد قال: ( إن الله تجاوز لأمتي عن ما توسوس به صدورها ما لم تعمل أو تتكلم به وما استكرها عليه ) وقال: ( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ) ، ولعل تعبير بعض الأدباء والدعاة أن اللسان كالسيف ، وأن اللسان كالسنان ، وأن طعن اللسان أقوى من طعن السنان ، لا شك أنه تعبير بليغ ؛ فإن الإنسان لو كان يحمل في يده سيف ، أو يحمل في يده سكينة حادة ، ثم يسير بين الناس ويتكلم معهم ، ويخوض فيما بينهم وسيفه مشرع ، وسكّينه ظاهر ، فكم من طعنة ستقع ؟ وكم من جرح سيبتلى به هذا ، وسيقع في هذا ؟ وهذا حال المتكلم يضرب لسانه يميناً ويساراً ، ويتكلم هنا وهناك ، ويقول في هذا الباب وفي ذاك ، وإذا به يطعن ويجرج ، ويقع منه ما يقع نسأل الله عز وجل السلامة .
والنبي - عليه الصلاة والسلام - قال: ( من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة ) ، وقال عليه الصلاة والسلام: ( وإن الرجل يتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي به في جهنم سبعيناً خريفاً ) ، والأمر في ذلك يطول وحسبنا تنبيهاً منه - عليه الصلاة والسلام - للأبرار والأطهار والأشراف من أصحابه - رضوان الله عليهم - وأمهات المؤمنين - رضوان الله عليهن - فهذه عائشة - رضي الله عنها - قالت:"حسبك من صفية قصرها"فقال عليه الصلاة والسلام: ( قد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته ) ، وقال - عليه الصلاة والسلام في - وصيته: ( لا تقل بلسانك إلا معروفاً ولا تبسط يدك إلاّ إلى خير ) فنقول لكل من وقع أو يقع: احفظوا اللسان .
المانع الثاني: تحذير وإخطار