الذين لا يفرحهم ولا يدخل السرور إلى قلوبهم ولا يجعلهم مطمئنين مثل رؤيتهم لاختلاف المسلمين ، ورؤيتهم لما يقع بينهم من الإحن والبغضاء والشحناء ، فهم بذلك فرحين ، وهم لنار هذه الفتن مؤججين ، وهم فيها ساعين ، وهم لها مستثمرين ، يشقون الصفوف ، ويفرقون الأمة ، ولا يشوشون على أهل الإسلام ، ويقع من وراء ذلك أنهم يرون أن حيلهم قد انطلت على المسلمين ، وأن مكرهم قد استبد بهم ، وأن خططهم قد نفذت فيهم ، فهم حينئذ ينظرون إلى أولئك على أنهم من الأغرار والحمقى والسذج والمغفلين ، الذين يُستفزون فيتجاوبون ، والذين يغررون فيغترّون ، وهذا ينبغي أن لا يكون عليه حال المسلم:"لست بالخب ولا الخب يخدعني"، وينبغي أن لا نكون عوناً لأعدائنا على إخواننا ، وألاّ نكون عوناً لأعداء الإسلام على ما يكيدون به للإسلام والمسلمين ، وهم لا يرقبون في مؤمن إلاًّ ولا ذمّة ، فهم إذا نصروا أحداً ، أو أيّدوه أو وافقوه ؛ فإنما ذلك ليكون بمثابة صبّ الزيت على النار ؛ لزيادة الاشتعال ، فينبغي أن نُضَيَّع مثل هذه الفرص على أولئك الأعداء ، وأن نحذر مثل هذه الأضرار الخطيرة العظيمة ، وهي قليل من كثير ، وتذكير بما هو مستمر أو متنامي معها ، ومتضاعف إثرها ؛ فإن هناك أضراراً كثيرة منها:كثرة البلبلة ، واضطراب الرأي ، وحيرة الفكر ، وانحسار الخير كما أسلفت في أول الحديث ، وقد قال بعض السلف - رحمة الله عليهم - عندما تجنب واعتزل بعض الاعتزال ، فقيل له في ذلك ، قال:"رأيت ألسناً لا غية ، وقلوباً لاهية ، وآذاناً صاغية ، فرأيت أن أجتنب واعتزل مثل أولئك القوم"، وينبغي أن نكون مثل ذلك في مثل هذه الأحوال كما نذكر في بعض ما يأتي معنا إن شاء الله .
أسباب العدوان
ما الذي يوقع أهل الإسلام ومن في جملتهم في مثل هذه المزالق والمخاطر ؟ لو شققنا في هذه الأسباب ؛ فإن أهل العلم قد جعلوا لكل باب من هذه الأبواب أسباباً ، وذكروا فيه وأطنبوا فيه القول .. ذكروا في الغيبة أسباباً ، وللنميمة أسباباً ، وفي كل هذه الأبواب تحليلاً لما يدفع إليها ويوقع فيها ، ولكني أوجز ذلك في الكليات التي أحسب أنها تجمع تحتها ما يتفرق في هذه الأسباب .
السبب الأول: مرض القلب
القلوب العليلة المريضة التي فيها علة حسد لا تقبل مطلقاً أن ترى على أحد غيرها خيراً ، وإذا رأت عند أحد فضلاً ، أو لمست منه علماً ، أو رأت فيه نجدة ، وهمة ، ومثابرة ، وعملا لم تطب لها نفس ، ولم يطمئن لها قلب ، وحينئذ لا يمكن لمثل هذا المريض أن يبرأ ، إلا أن يخوض في مثل هذه الأبواب ، وتلك الأدواء ، ومرض القلب متنوع متشعب كثير ، وأعظم ما في مرض القلب مواته ، بحيث لا يهتز للوعيد ، ولا يتذكر الآخرة ، ولا يتفطن لإقباله على الله عز وجل ، ووقوفه بين يديه ؛ فإن موت القلب أعظم موت ، وأعظم ما يقع به الخسارة في دنياه وأخراه ، ولا شك أن تكاثر الأمراض على الجسد ، كتكاثر السهام على الجسد ، هذا جرح يسيل منه الدم ، وهذا جرح عميق ، وثالث غائر ، ورابع في مقتل ، وخامس يشل به عضو ، حتى إذا تكاثرت أثخنت ذلك الجسد بالجراح ، وجعلته طريحاً إما مريضاً وإما قتيلاً نسأل الله السلامة .
السبب الثاني: غلبة الهوى
فإن بعض النفوس تحب أشياء فيها حب الاستعلاء .. فيها طلب الشهرة .. فيها رغبة التفرد .. فيها نوع من حب الشذوذ .. هذه الأهواء تعصف بكثير من أصحابها ، وكما ذكر ابن القيم:"بحر الهوى إذا مدى أغرق صاحبه ، فلا يرى ولا يسمع ولا تنفتح له بصيرة ، ولا ينفتح له بصر ، فيحرم من كثير من الخير ، ولا يقوده هواه إلا لمواقع الزلل ، و المخاطر التي قلّت أن يتجنبها ، وربما فيما هو أسوأ منها".
السبب الثالث: سوء الفهم
وهذا لعله هو علة كثيرين ، ونحسن الظن ونرجو أن يكون كل من أخطأ في هذا الباب قد سلم من مرض القلب ، ومن غلبة الهوى ، وإنما أوتي من سوء الفهم ، وأن يقوده العلم وترشده البصيرة إلى مواقع الصواب ، فيرجع هو شأن المؤمن الرجّاع الأوّاب: { إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون } والمؤمن رجّاع إلى الحق مادام قلبه حيّ بالإيمان ، ومادامت نفسه متيقظة متفكرة .