أما القصة فهي ذهبت مرة معزياً إلى رجل قد توفى الله ابنه في ثاني ثانوي وما أن ذهبت إليه وجدت ذلك الرجل المحتسب كأن لم يمت له أحد في تسبيح وتهليل وحمدت الله أن وجدت من أمة محمد على مثل هذا الاحتساب، وبعد سبعة أشهر أو ثمانية، ذهبت إلى ذاك الرجل نفسه فقد مات أخوه في أولى جامعة ووجدته عجباً وجدته باكياً ساخطاً كلما سكت دقيقة بدأ بالبكاء دقائق تعجبت من أمره، فأخذته على جنب، وقلت: عجباً لأمرك.. يموت ابنك ويكون هذا حالك من احتساب، ويموت أخوك ويكون هذا أمرك! من السخط!.. فبكى ثم بكى وقال: أبا محمد ابني مات -أحسبه إن شاء الله على طاعة على صلاة وصيام- فكلما تذكرته تذكرت قبره بأمر الله أحسبه والله حسيبه روضة من رياض الجنة، أما أخي مات وهو على معاصي بل لا يصلي فكلما ذكرته ذكرت قبره وقد أصبح حفرة من حفر جهنم، كلما ذكرته تذكرت تلك الحية السوداء وتلف على جسده، وكلما ذكرته ذكرت الملائكة وهم بالمطارق فوق رأسه، فكيف تراني لأبكي؟ فوالله ما بكيت على قدر الله ولا سخطت من قدر الله، وإنما بكيت على حال أخي، قلت له: غفر الله لي ولك فوالله إني حزين منذ ثلاثين عاماً على صديق لي مات على هذه الحالة كلما ذكرته...
أخي.. لماذا لا نتعظ بغيرنا ونضع الموت أمامنا.. وسؤال ووقفة: كم منا من الجالسين من زار المقابر في آخر عشر سنوات للاتعاظ وليس للعزاء أو المجاملة؟ كم منا يا أخوان من إذا دخل المقبرة ولو كان ذاهباً لمجاملة أو طالباً لأجر في تعزية وعندما دخلها وقف جسمه وارتفع شعره ثم بكى وتباكى عندما نظر إلى قبر من القبور وليس لتلك المقابر؟
كم منا يا أخوان ذاك الرجل؟ للأسف يا أخوان نحن إذا ذهبنا إلى المقابر للمجاملة ننسى ثلاثة أشياء أو ينسينا الشيطان والسبب قلة الإيمان وأننا وضعنا الموت خلفنا، لم نضعه أمامنا، ونسينا أن نقول الذكر الذي يقال لأهل المقابر، كأننا داخلون لبيوتنا لساحة المنزل، ثانياً ننسى التباكي والبكاء ونتذكر، أعوذ بالله.. لو كنت أنا الذي بالقبر وعلى هذا الذنب أو هذه الغيبة والنميمة أو الظلم، ماذا سيحصل لي؟ كم منا ذاك الرجل؟ كم منا من يفعل المواقف لردع نفسه وتوبته؟
أخواني.. أسألكم سؤالاً أخيراً في الموت.. كم منا يا أخوان من إذا لبس ثوبه الأبيض، تذكر الكفن فبكى وتباكى، أو كم منا يا أختاه إذا جاءت وألبست طفلها ثوبه الأبيض بكت أو تباكت لأنها تذكرت الكفن، ثم قالت: ربي أعني على التوبة من ذاك الذنب، صلاة الله أعلم بها.. يارب يا كريم يا منان يا رحيم تب علي قبل أن أصل هذا الموقف، وأعني على التوبة والمحافظة عليها، كم منا ذاك الرجل؟ وكم منا تلك المرأة؟
أخواني.. نسينا الموت إلا ما رحم ربي وضعناها وراءنا، فكانت الدنيا أسأل الله ألا تكون أكبر همنا ولكن هذا هو حال بعضنا فلذا أصيبوا بالقلق، أصبح من نسى الموت وظن أنه لن يموت أبداً ويلهث خلف الدنيا يلهث يلهث فيصاب بالقلق.. ويكون من أصحاب المقلقين ويكون تحت الخمسين، 60% منهم يأتيهم خفقان أو أمراض شرايين..
أخواني.. قال تعالى: (ألم يئن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون) ..
أخواني.. عندما تقسو القلوب تمرض، وعندما تمرض تموت، ومن مات قلبه قبل أن يموت جسده قد هلك..
أخواني.. لا يمت قلبك أو يمرض قبل جسدك، هذه الآية عندما سمعها قاطع طريق جاء ليسرق رجل قد قام ليتعبد الله في منتصف الليل، وهو على الجدار فهذا العابد نطق بهذه الآية التي تزلزل الجبال: (ألم يئن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله) ، فقال وهو على جداره: بلى والله آن، بلى والله آن، بلى والله آن، أتدرون من هو؟ إنه الفضيل بن عياض رحمه الله، كان قاطع طريق وعندما سمع هذه الآية، أصبح من أئمة الفقه، قال تعالى: (ومن يعشوا عن ذكر الرحمن نقيض له شيطان فهو له قرين) أخواني.. عندما يكون الشيطان قريناً يكون القلب مريضا.
-مر عبد الله بن مسعود رضي الله عنه على جماعة يغنون وكان فيهم مطرب بارع ذو صوت حسن، فمسكه من جلبابه وقال: يا زادان والله لو قرأت القرآن لكنت أنت من أنت، ثم ذهب عنه، فقال زادان: من هذا الرجل؟ (لأنه مطرب لا يعرف إلا المطربين) قالوا: هذا عبدالله بن مسعود صاحب رسول الله، قال: صاحب رسول الله يقول لي يا زادان إن قرأت القرآن فأنت من أنت، فذهب إليه وقال: أعد علي ما قلت، فلما أعادها ذهب إلى أمه واستأذنها وذهب إلى مالك رضي الله عنه وقرأ عليه الحديث وأصبح إماماً من أئمة الحديث..
أخواني.. لنطبب قلوبنا بذكر الله لنعالج قلوبنا بذكر الله ولكن هناك شرط هدى لمن؟
للمتقين لأصحاب الروضة لأصحاب قيام الليل..
جاء شخص في الإسعاف يحس بضيقة، قلت له: اقرأ القرآن، قال: ابتعد أنت والقرآن، أنا أقرأه ليل ونهار ولم ينفعني، قلت له: أنت تصلي؟ قال: لا..