فهرس الكتاب

الصفحة 3877 من 9994

إنها إشراقة في النفس وسخاء في الطبع ، ولقد ضرب النبي ( في ذلك المثل الأعلى كما قالت عائشة:"كان النبي ( أجود الناس …"12.

وفي فعله ( وأمره لامرأة جابر دلالة واضحة على منهج التكافل الاجتماعي الذي يسري في جل النظم الإسلامية سريان الدماء في العروق .

وتتفتق من أكمام هذه المعجزات نفحات التثقيف والتربية لهذه الجماعة المؤمنة على مبدإ الأخذ بالأسباب حيث لم يغِب هذا المنهج في ثورة الخوارق ، فقد شهد الطعام عملية تكثير لا إنشاء ، وأشرقت الآفاق المستقبلية للفتوح ، في إطار المجهود البدني الشاق.

المشهد الثالث:من تقنيات الحرب:

لما بلغ النبي ( غدرُ بني قريظة بعث إليهم سعد بن معاذ وسعد بن عبادة ومعهما عبد الله بن رواحة ، وخوات بن جبير ، وقال:"انطلقوا حتى تنظروا أحقٌّ ما بلغنا عن هؤلاء القوم أما لا؟ فإن كان حقا فالحنوا لي لحنا أعرفه ولا تفتّوا في أعضاد الناس ، وإن كانوا على الوفاء فاجهروا به للناس"، فلما دنوا منهم وجدوهم على أخبث ما يكون وقد جاهروهم بالسب والعداوة ، ونالوا من رسول الله ( وقالوا: من رسول الله؟ لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد ، فانصرفوا عنهم ، فلما أقبلوا على رسول الله ( لحنوا له وقالوا: عَضَل والقارة ، أي أنهم على غدر كغدر عَضَلٍ والقارة .13

في هذا المشهد منظومة كاملة من أسرار الحرب تتمثل في:

أ - عدم التسرع في التصديق بالمعلومات، والتأكد من صحة الشائعات.

ب- التخاطب بالرموز للحفاظ على تماسك الصف، والسرية التامة.

ج - السيطرة على الإعلام ، وعدم بث ما يضعف معنويات الجند.

د - ضرورة معرفة القائد لكل الملابسات التي تحيط بأرضية المعركة فعلى أساس هذه المعرفة الدقيقة تبنى الخطط الحربية الناجحة.

... المشهد الرابع: المراوضة على الصلح:

ولما اشتد البلاء بعث رسول الله ( إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فاستشارهما في أن يصالح قبيلة غطفان على ثلث ثمار المدينة كي ينصرفوا عن قتال المسلمين ، فأشارا عليه بألا يفعل ذلك ، فتهلل وجه رسول الله (14.

في هذا المشهد يتكرر عقد مجلس الشورى كمبدإ في الحرب كما هو في السلم ، وفي هذه الإطلالة يتجلى لنا ما يخفق بين جوانح المصطفى من رحمة بهذه الأمة ورغبة في تجنيب أصحابه كل المكاره ، ووفائه للأنصار ، واعتماده على مراكز التأثير وصنّاع القرار، وما كان طبع المصطفى ( يرضى بدفع الفدية للمتغطرسين فإن العزف على هذه الوتيرة لا يروق للشجعان ، وقد ضربت الحرب طبولها وحمي الوطيس ، وكأنما سرحت أرواح الأنصار معه في نفس المغنى ، فصدرت عن الطرح الذي تهلل له وجه رسول الله ( .

ومهما وقف الفقهاء عند هذه النقطة ليقرر بعضهم حكما فقهيا يتعلق بالصلح على المال ، ودفع الجزية للأعداء ، فإن الأفق النبوي كان أرحب من هذه المنحى ، والغرض التربوي كان يستصدر من الأنصار حكما يتماشتى مع عزة الإسلام وغلبته قبل أن يستصدر بعضُ الفقهاء أحكامَهم من مسألة لم تستقرَّ بعد ولم تتحدد ملامحها، ولهذا ذكر أهل السير أنه لم يقع من الصلح إلا المراوضة.15

ويتراءى في ثنايا هذا المشهد هدف حربي بارز يتمثل في شق صف العدو، وتفتيت قوته وتحطيم نفسياته ، وذلك لأن التلويح بالمال يُضعف الجانب الروحي والمعنوي .

ويقابل هذا المبدأ على المستوى الداخلي مبدأ آخر هو رفع معنويات الجند وهما توأمان حربيان أنتجهما مخاض التفكير في كسب هذه المعركة الخطيرة. يقول منير محمد الغضبان - معلقاً على هذا الموقف -:"وبقي الفكر البشري يَجهد ويدأب فاتّجه إلى تحطيم الحصار عن طريق شق صف العدو، بإعطائه ثلث ثمار المدينة ، ثم التراجع عن الفكرة عند استعداد الجيش للتضحية …"16اهـ

المشهد الخامس: السعي إلى اختراق صفوف العدو:

* وقد أتى نعيم بن مسعود رسول الله ( فقال: يا رسول الله إني قد أسلمت ،

وإن قومي لم يعلموا بإسلامي ، فمرني بما شئت فقال رسول الله (: إنما أنت رجل واحد فخذِّل عنا إن استطعت … والقصة معروفة في السير.17

* عن حذيفة ( قال: لقد رأيتُنا مع رسول الله ( ليلة الأحزاب ، وأخذتنا ريح شديدة وقُر فقال رسول الله (: ألا رجل يأتيني بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة. فسكتنا فلم يجبه منا أحد …(ردّد ذلك رسول الله ثلاثا ) ثم قال: قم يا حذيفة فأتنا بخبر القوم ، فلم أجد بداً إذ دعاني باسمي أن أقوم ، قال: اذهب فأتني بخبر القوم ولا تذعَرهم علي .

فلما وليتُ من عنده جعلت كأنما أمشي في حمام ، حتى أتيتهم فرأيت أبا سفيان يَصْلي ظهره بالنار ، فوضعت سهما في كبد القوس فأردت أن أرميَه ، فذكرت قول رسول الله ( ولا تذعَرهم علي ولو رميته لأصبتُه، فرجعت وأنا أمشي في مثل الحمام،فلما أتيته فأخبرته بخبر القوم وفرغت قرَرْتُ فألبسني رسول الله ( من فضل عَباءة كانت عليه يُصلي فيها ، فلم أزل نائما حتى أصبحت ، قال: قم يا نومان .18

تَصُبُّ قصة نعيم في الخط الذي أشرنا إليه سابقا، والمتمثل في تفتيت قوة العدو، وتحطيم نفسياته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت