إن القائد الأعظم يرتجز بأبيات ابن رواحة ، بما فيها من مُثل جميلة وأدعية جليلة تسمو بأصحابها إلى العالم العلوي ، لكنها تتماوج في أنشودة أخاذة تروح عن الجند وتهدئ من أعصابهم .
ويزيد في تأثيرها ونفاذها إلى شغاف القلب صدورها من القائد الذي يشارك الرعية في أعمالهم وهمومهم ، يقول الدكتور البوطي:"فأنت تجد أن النبي ( لم يندُب المسلمين إلى حفر الخندق ثم ذهب يراقبهم في قصر منيف له مستريحا هادئا، ولا أقبل إليهم في احتفال صاخب رنّان ، ليمسك معول أحدهم فيضرب به ضربة واحدة في الأرض إيذانا ببدء العمل …"6 اهـ
وفي هذا المشهد يبرز منحى آخر من مناحي التربية هو التذكير والوعظ ، ولكنه ينساب ههنا في قالب التنغيم الذي يمتص التوتر والمشقة: اللهم إن العيش عيش الآخرة … وهنا تؤتي هذه الرسالة التربوية أكُلها فتحدث الاستجابة دون قسر ولا تكلف: نحن الذين بايعوا محمدا …
وهكذا يتكرر الإنشاد ، وتصدح النغمات مخففة هذا الجو المفعم بالمعاناة والأزمات ...
يقول الحافظ ابن حجر معلقا على الحديث:"وفيه أن إنشاد الشعر تنشيطا في العمل ، وبذلك جرت عادتهم في الحرب"7 اهـ
ويظل مد القدوة في تصاعد وتنام حينما يكشف الأتباع عن درجة من الجوع فإذا القائد يعاني درجات منه ، وهنا يقع التأسي ، وتهدأ حِدة الشكوى .
المشهد الثاني: خوارقُ أثناء الحفر:
عن جابر ( قال:"إنا يوم الخندق نحفِر ، فعرضت كُدية شديدة ، فجاءوا النبي ( فقالوا: هذه كُدية عرضت في الخندق ، فقال أنا نازل ، ثم قام وبطنه معصوب بحجر ، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذَواقا ، فأخذ النبي ( المعول فضرب ، فعاد كثيبا أهْيل(أو أهيم ) فقلت: يا رسول الله ائذن لي إلى البيت ، فقلت لامرأتي: رأيت بالنبي ( شيئا ما كان لي في ذلك صبر ، فعندك شيء ؟ فالت: عندي شعير وعَناق فذبحت العَناق وطحنت الشعير حتى جعلنا اللحم في البُرمة8 ثم جئت النبي ( والعجين فد انكسر ، والبرمة بين الأثافي قد كادت أن تنضج، فقلت طُعيم لي ، فقم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان ، قال: كم هو ؟ فذكرت له قال: كثير طيب، فقل لها لا تنزع البرمة ولا الخبز من التنّور حتى آتي ، ثم نادى المهاجرين والأنصار فقال لهم قوموا.. فلما دخل جابر على امرأته قال ويحك جاء النبي بالمهاجرين والأنصار ومن معهم ! قالت: هل سألك كم طعامك؟ قال: نعم ، قالت: الله ورسوله أعلم."
ثم جاء النبي ( فقال: ادخلوا ولا تَضاغطوا ، فجعل يكسر الخبز ويجعل عليه اللحم ، ويخمر البرمة والتنور إذا أخذ منه ويقرب إلى أصحابه ثم ينزع ، فلم يزل يكسر الخبز ويغرف حتى شبعوا وبقي بقية ! قال: كلي هذا وأهدي ، فإن الناس أصابتهم مجاعة9 .
وقال البراء: لما كان يوم الخندق عرضت لنا في بعض الخندق صخرة لا تأخذ منها المعاول فاشتكينا ذلك لرسول الله ( فجاء وأخذ المعول فقال: بسم الله ثم ضرب ضربة ، وقال الله أكبر ، أعطيت مفاتيح الشام ، والله إني لأنظر قصورها الحمرَ الساعة ، ثم ضرب الثانية فقطع آخر ، فقال: الله أكبر! أعطيت فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض الآن، ثم ضرب الثالثة فقال: بسم الله ، فقطع بقية الحجر ، فقال الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن ، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني10.
وفي هذا الموقف الصعب يفزع الناس إلى القائد الأعظم لِيُغيثَهم في الملمات الدنيوية كما يفزعون إليه في المهمات الأخروية، وهو لا يعتذر بشدة الجوع بل يشمر عن ساعد الجد، ويضرب الكُدية …
وهنا تتدخل المعجزة لتضع اللمسات الأخيرة ـ إن صح التعبير ـ على هذه الشخصية الكاملة البناء ، والتي وصلت في بشريتها المنتهي .
ويرسم الرسول ( لجنوده المستقبل الباسم ، فتبرز القصور الحمراء والقصر الأبيض من خلال لمعان قدح المعول على الحجارة ، ويحلق بالصحابة الأمل الباسم بعيدا عن واقعهم المتجهِّم ، وربما أدركوا أن هذه الكدية إن هي إلا رمز لحالتهم الراهنة ، فينبعث فيهم الأمل والتفاؤل .
وفي هذا المشهد يتواصل المد التربوي ويصب في الهدف العسكري حينما ترتفع معنويات الجند بهذه الطاقة الروحية التي أظلتهم في موقف استفرغوا فيه طاقتهم الجسدية ، وتوترت أعصابهم بشكل ملحوظ ، حتى عبر الشيخ محمد الغزالي عن هذه المعركة بأنها معركة أعصاب وليست معركة خسائر11.
ثم يكبر النبي ( في وسط هذا الجَُهد ليزود أصحابه بدفقة جديدة من الحماس ، وهكذا يستمر إيقاع القدوة متناميا ينزع الرتابة والسآمة عن النفوس باستمرار .
لقد كانت الثقة التامة تتأسس في النفوس تجاه شخصه الأعظم ( فهو الذي يُفزع إليه في كل الأمور، ليقدم الحلول لكل العقبات .
وفي هذا المشهد يتراءى معنى الزهد الذي يبعد عن الأذهان أن يكون لهذا النبي الكريم ما لأرباب الدنيا من مطامح شخصية.
ولا ينبغي أن يحجب عنا وهجُ المعجزة تلك المعاني المزهرة من استعلاء على الجشع والحرص ، والتحليق في فلك الإيثار، والقيام على خدمة الرعية في أحلك الظروف ...