ونحن ربما نعمل العكس ! نحن الذين نوجد القذى في المسجد - ودورات المساجد شاهدة بذلك - فيها من التخريب ومن التلويث وكأنهم قصدوه عمداً أو أرادوه حتى يجعلوا بيوت الله - عز وجل - بهيئة وصورة لا تليق بها ، ولو أن ذلك كان في بيوتهم لدعوا بالويل والثبور وعظائم الأمور ! ولكانوا أحرص ما يكونون على مثل هذه النظافة - التي لا يأبهون بها ولا يحرصون عليها - في بيوت الله عز وجل .
وأمرٌ آخرٌ أيضاً هو الآداب المرعية في داخل المسجد
فكم تسمع من حديث ليس فيه ذكرٌ ولا طاعة ، بل ربما كان حديث في أودية الدنيا ، أو غيبة ونميمة !
وكم ترتفع الأصوات ! وكم تعلوا الضحكات ! حتى أن بعض الناس ربما يختلف عليه الأمر ويلتبس هل هو في مسجد أو في مكان آخر ؟
استمعوا إلى هذا الحديث - الذي يرويه السايب بن يزيد - عند البخاري في صحيحه قال: كنت في المسجد فحصبني رجل - يعني رماني بحصى صغيرة من ورائي - فالتفت فإذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال لي: اذهب فأتني بهذين الرجلين - رجلان كانا يتحدثان بصوت عالي - قال: فأتيته بهما ، فقال: من أين أنتما ؟ فقالا: من الطائف ! فقال: لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما - أي ضرباً - ترفعا أصواتكم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم - وفي رواية - في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم !
وقال الإمام مالك - رحمه الله - بكراهة رفع الصوت في المسجد مطلقاً .
وقال ابن عابدين في حاشيته - على مذهب أبي حنيفة -:"يصوغ رفع الصوت إلا أن يشوش على المصلين ولو بذكر أو قراءة"، وبعض الناس يقرأ القرآن كأنما يري أن يسمع به خلق الله كلهم ، ويشوش على الآخرين ، وبعضهم يتحدث بأحاديث كأنما هو في بيته أو غير ذلك ..
ونرى من هذا صوراً كثيرة مزعجة تشوش حقيقة على العبادة والطاعة ، وقد تنفّر بعض الناس من حضور المساجد وشهودها ، وهذا مهمٌّ ينبغي لفت النظر إليه والانتباه له ، وهو أمر ظاهر وبيّن .
وأما الصورة - المحزنة المؤلمة المتكررة الدائمة - التي ألفها الناس حتى صاروا ينكرون على من ينكرها"السؤال في المساجد والتسول فيها"مع أننا نسمع قول الله جلا وعلا: { وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا } ، قال السعدي في تفسيره:"المقصود الأمران معاً: دعاء العبادة ، ودعاء المسألة"، كيف تسأل في بيت الله غير الله ؟ وقد كان هشام عبد الملك يطوف - مرة - بالبيت الحرام ، فلقي سالم بن عبد الله - من أئمة التابعين - فسلّم عليه ، وقال: سلني حاجتك ! قال: أني استحي من ربي أن أسأل غيره وأنا في بيته ! فلما خرج قال: نحن الآن قد خرجنا من المسجد فسلني حاجتك ! قال: من أمر الدنيا أم من أمر الآخرة ؟ قال: من أمر الدنيا فأمر الآخرة لا أملكه ! قال: أما الدنيا فما سألتها من يملكها فكيف أسأل من لا يملكها !
وهذا من الأمر المهم ، ولكننا نلتفت هنا إلى حديث - لو تأملنا في نصه لأدركنا أننا لانتبه ولا نتعلم ولا نعرف هدي النبي صلى الله عليه وسلم على الوجه الصحيح - هذا حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند البخاري في صحيحه يقول فيه المصطفى عليه الصلاة والسلام: (من سمع رجل ينشد ضالته في المسجد فليقل: لا ردّها الله عليك ؛ فإن المساجد لم تبنى لهذا ) ، هذا لا يسأل الناس مالاً ! وإنما له حاجه -ضلت عليه ناقته أو بعيره - يقوم فيقول للناس: بعيري كذا وكذا هل رآه منكم من أحد ؟ وفي رواية أخرى عند البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (من نشد عن الجمل الأحمر ؟! لا رده الله عليه ) .
هذه مسألة مهمة ينبغي أن نعرف أن السؤال وخاصة على الهيئة التي نراها من التشكي وعرض ما قد يكون صحيح أو غير صحيح من أنواع البلاء والابتلاء الرباني كأنما هو اعتراض على قدر الله ، وكأنما هو شكوى لغير الله ، ثم هو في غير موضعه الصحيح وعلى غير صفته المشروعة بحال من الأحوال ؛ فإن أنكر مُنكِرٌ قالوا: لا تفعل هذا ، تحركت القلوب برحمة غير مدركة للحكمة ، وربما أنكرت على المنكر ذلك ، وهذا من الأمور التي ينبغي التنبه إليها .