وكذلك نستحضر هنا حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - المشهور المعروف الذي يتبادله الناس ويتذاكرونه ، وكثيراً ما يخالفونه وهو حديث جابر عند البخاري وغيره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزلنا أو فليعتزل مسجدنا وليقعد في بيته) ، وقال بعض العلماء استنباطاً من هذا الحديث:"أن الآكل لهذه الثمرة قبل الصلاة تسقط عنه الجماعة ، ويجب عليه ألا يصلي مع الناس ، حتى لا يؤذيهم"، والمقصود هنا كراهة الرائحة وكلما هو من هذا الباب داخل به وملحق به .. المدخنون الذين يؤذون الناس برائحتهم - شاءوا أو أبوا - قد آذوا المصلين وآذوا ملائكة الله المقربين ، وكانوا على هيئة ليست لتي يحبها الله لمن يأتي إلى بيته ليتعبد ويذكر ويسجد ، ومثل ذلك كذلك من يأتون إلى المساجد وهم قد فرغوا من أعمالهم من غير أن يتهيئوا ولو بإزالة العرق عن جباههم فضلاً من أن يغير ملابسهم ؛ ليزيلوا هذه الروائح الكريهة ! وبعضهم يأتي والأقذار على بدنه أو على ثيابه يُنفّرك منظره من أن تكون إلى جواره في الصف ، وتضايقك رائحته فلا تكاد تشعر بما تريد أن تقبل عليه من طاعة الله وعبادته !
بالله عليكم هل مثل هذا إذا أراد أن يذهب لزيارة صديق من أصدقائه سيذهب على تلك الهيئة ؟ أهانت بيوت الله - عز وجل - في النفوس حتى بلغت مثل هذا المبلغ ! هل ذهب الاستشعار والتعظيم لبيوت الله - عز وجل - حتى نخلها ؟ كأنما ندخل مكاناً لا قيمة له ولا حرمة ولا اعتبار !
إنها صور تكررت حتى صارت مألوفة ، وحتى أصبح مثل قول هذا ربما يكون مستنكراً مستهجناً أو فيه من المبالغة ما فيه ، وأنه تشديد في غير موضعه ! فبالله عليكم أن لم نتواصى بذلك في بيوت الله التي نجعلها لطاعة وعبادة الله - عز وجل - فبما نتواصى من بعد ؟
ونحن نعرف من هذا صوراً كثيرة ، ونحسب أننا إذا تذكرنا أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - وإذا عرفنا آدابه وهديه الذي تلقاه عنه أصحابه لأدركنا أن المخالفة للسنة والهدي ليست في الصور المحدودة التي تدور في أذهاننا ، بل هي في جمله هذا الهدي ومنه تعظيم المساجد ومراعاة حرمتها ، وأخذ الأدب اللازم واللائق بها .. روى البخاري من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (أيما رجل خرج من بيته يوم الجمعة واغتسل ثم أدهن وتطيب من طيب امرأته فخرج يريد الصلاة ثم دخل وصلى ركعتين ولم يحدث أحد فأنصت حتى يفرع الإمام ثم صلى مع الناس غفر الله له ما بين تلك الجمعة إلى الجمعة الأخرى) ..
انظروا إلى مجموع الوصف كله فهو الذي يستوجب أو يوجب لصاحبه ذلك الأجر وبقدر النقص قد يكون النقص فإنما من لا يراعي ذلك ولا يتهيئ له لا ينال مثل هذا الأجر في هذا الحديث ونحن نعلم أيضاً أن النفوس تتأثر بالاعمال فغذا جئنا لنخرج إلى المسجد استحضرنا هذه المعاني ثم عملنا من العمل تطيباً وتطهراً وإحساناً في اللباس واستحضار للنية ووقاراً في الهيئة وكذا اللسان وغير ذلك فإننا إن جئنا إلى المسجد حضرت قلوبنا وخشعت قلوبنا وتذكرت عقولنا وكنا في حالاً على غير الحال الذي نكون فيها ونحن لا نأتي المساجد على مثل هذه الصورة التي تهيئنا لحسن العبادة والطاعة وقال ابن كثير وغيره في قول الله: { في بيوتاً أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه} قال: أن تطهّر من الأدناس والأرجاس اللغوية والأقوال والأفعال ؛ فإن رفع ذكر الله ليس بمجرد تلاوة القرآن وإقامة الصلاة ، بل يدخل فيه مثل هذه الأمور .
ونظافة المساجد أمرها مهم عظيم وأجرها كبير ، كما روى أبو داود وغيره عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (عرضت علي أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد) ، أي داخل في الأجور أن تأخذ قشرة أو قشه صغير فتقمُّها من المسجد وتطهّره وتنظّفه معروضة مرّت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ضمن الأعمال التي لها أجر خاص لأمة محمد صلى الله عليه وسلم .
ونرى كذلك ذلك الحديث العظيم الذي يدلنا على الفضل ، وعلى التقدير النبوي والمقياس الإسلامي الذي ينبغي أن نراعيه ..
روى البخاري وغيره كذلك من حديث أبي هريرة أن امرأةً - أو رجلاً - وغالب الروايات أنها امرأة كانت تقمّ المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم - أي تأخذ ما يكون في المسجد من الأذى والقذى - فتقمه وتخرجه فماتت ، فتفقدها النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يعلم بها ، فقال: أفلا كنتم آذنتموني به؟ دلُّوني على قبرها . ثم ذهب وصلّى عليها بعد دفنها .. امرأة مجهولة ليست معروفة ، حتى أن الصحابه عندما ماتت لم يذكروا خبرها للنبي - عليه الصلاة والسلام - التفت إليها النبي وافتقدها ، وسأل عنها ، وعاتب على أنهم لم يذكروا له موتها ، ثم ذهب - عليه الصلاة والسلام - فصلى عليها .