فهرس الكتاب

الصفحة 3604 من 9994

إن العبد إذا صدق في تعظيم شعائر الله تعالى وجدت عنده غضباً لحدود الله تعالى إذا انتهكت محارمه سبحانه وبحمده فتجد قلبه حزيناً منكسراً إذا عصي الله تعالى في أرضه ولم يقم بما أمر به الله تعالى من حفظ حدوده والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر روى البخاري ومسلم من حديث عائشة رضي الله عنها"قالت في وصف حال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيمه شعائر الله تعالى قالت: ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً قط بيده- أي: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يضرب بيده شيئاً قط- ولا امرأة ولا خادماً إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه صلى الله عليه وسلم شيء قط فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك أحد شيئاً من محارم الله تعالى فينتقم لله عز وجل" (1) . هكذا رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينتقم لنفسه في شيء من الأمور إنما ينتقم لله تعالى فإنه يسمح صلى الله عليه وسلم ويعفو عمن يقصر في حقه من امرأة أو خادم إلا أن يجاهد في سبيل الله ولا نيل منه صلى الله عليه وعلى آله وسلم في شيء من أمور الدنيا إلا عفا صلى الله عليه وسلم ولم يقابل ذلك بالانتقام إلا في شيء يتعلق بحق الله تعالى فإنه إذا انتهكت محارم الله تعالى انتقم لله عز وجل وإنما ينتقم صلى الله عليه وعلى آله وسلم تربية وتعليماً وبياناً لعظيم حق الله تعالى وأن حقه سبحانه وتعالى أن يغضب له جل وعلا.

أيها الإخوة الكرام

الله أكبر حاجز يمنع المؤمن من التورط في ألوان المعاصي والسيئات، الله أكبر حاجز يحول بين المرء وانتهاك الحرمات فإنه لا يضيع ما فرض الله تعالى عليه ولا ينتهك ما حرمه الله عليه إلا من خف في قلبه تعظيم الله تعالى وإنما يقل الخوف في قلب العبد من قلة تعظيم الله تعالى فإذا نما في قلب العبد تعظيم الله جل وعلا كان العبد مسابقاً إلى طاعة الله تعالى منتهياً عما نهى الله عنه ورسوله وإنني أذكر لكم شيئاً من سير من قص رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرهم حتى يتبين للمرء ما الذي يثمره التعظيم ما الذي يثمره إجلال الله وتقديره.

روى البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: ذات يوم خرج ثلاثة نفر يمشون فأصابهم المطر فدخلوا في غار في جبل فانحطت عليهم صخرة قال: فقال بعضهم لبعض: ادعوا الله بأفضل عمل عملتموه. فقال أحدهم: اللهم إني كان لي أبوان شيخان كبيران فكنت أخرج فأرعى ثم أجيء فأحلب فأجيء بالحلاب فآتي به أبوي فيشربان ثم أسقي الصبية وأهلي وامرأتي فاحتبست ليلة فجئت فإذا هما نائمان قال: فكرهت أن أوقظهما والصبية يتضاغون عند رجلي فلم يزل ذلك دأبي ودأبهم- يعني: مكثنا على هذه الحال- حتى طلع الفجر، اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا فرجة نرى منها السماء. قال: ففرج عنهم قدر ما دعا. ثم إن الآخر قال في دعائه:اللهم إنك تعلم أني كنت أحب امرأة من بني عمي كأشد ما يحب الرجال النساء فقلت لها أطلبها عن نفسها فقالت: لا تنال ذلك منها حتى تعطيها مئة دينار، فسعيت- أي: اجتهدت- في كسب هذا المبلغ الذي شرطته حتى جمعتها أي المئة الدينار فلما قعدت بين رجليها قالت وقد أحيا الله قلبها: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه. يقول هذا الداعي: فقمت وتركتها، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا فرجة. قال: ففرج عنهم الثلثين. وقال الآخر في دعائه وهو الأخير: اللهم إنك تعلم أني استأجرت أجيراً بفرق من ذرة فأعطيته وأبى ذاك أبى أن يأخذ أجره إما لخصومة أو لزهد أو لاستقلال هذه الأجرة، المهم أنه أبى أن يأخذ ما أعطاه فعمدت إلى ذلك الفرق فزرعته حتى اشتريت منه بقراً وراعيها، ثم جاء فقال: يا عبد الله أعطني حقي. فقلت: انطلق إلى تلك البقر وراعيها فإنها لك. فقال الرجل الأجير: أتستهزئ بي؟ قال: فقلت: ما أستهزئ بك ولكنها لك، اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا. فكشف عنهم (2) .

(1) البخاري رقم (3367) - مسلم رقم (2328) . ...

(2) البخاري برقم (2152) - ومسلم برقم (2743) . ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت