فهرس الكتاب

الصفحة 3554 من 9994

عباد الله، قال النبي صلى الله عليه وسلم مبينا خطر هذا المنصب:"من ولي القضاء أو جعل قاضياً فقد ذبح بغير سكين"، ومعنى ذلك: أن دينه على هلاك إذا لم يعدل، والذبح بالسكين فيه راحة للمذبوح وبغير السكين الألم العظيم، فذكر القضاة بالعدل فإذا عدل القاضي عن الشرع ودخلت المحسوبيات، ودخلت الشفاعات الظالمة، والواسطات، ودخلت الرشاوى، فلا شك ولا ريب بأن ذلك منذر بهلاكه، لأن"من أعان على خصومة بظلم لم يزل في سخط الله حتى ينزع"،"ومن أعان على خصومة بظلم فقد باء بغضب من الله"، وفي المقابل فإنه إذا حكم بالحق فهو مأجور على أجرين أو أجر بحسب حاله، قال ابن عبدون رحمه الله: ( منزلة القاضي تأتي بعد منزلة النبوة ) فهي مسؤولية ضخمة وشاقة، ولهذا كان لا بد من اختيارهم بالشروط الشرعية، أن يكون عدلاً قائماً بالفرائض الشرعية، صادقاً ظاهر الأمانة عفيفاً عن المحارم متوقياً للمآثم مستعملاً للمروءة، وثانياً الأهلية الاستنباط الأحكام من مصادر التشريع، قادراً على الاجتهاد فهو يدرس القضايا ويتأمل فيها، فإذا كانت مبنية على أدلة ظاهرة واضحة حكم بها، وإذا كانت المسألة فيها خفاء تروى ونظر وقارن وتدبر ونظر في أحكام الحكام المسلمين من قبله، فاستفاد من أحكام القضاة الشرعيين الآخرين، وينبغي أن يتخذ عنده من أهل العلم والفضل من يستشيرهم، وكان عمر يستشير كبار الصحابة وعلماءهم، وكان يستشير كذلك من نبغ من صغارهم، فعنده علي من جهة، وابن عباس من جهة أيضاً، وكذلك يسن له أن يأخذ نفسه وأعوانه بالآداب والقواعد، وأن يكون قوياً من غير عنف، ليناً من غير ضعف، لا يطمع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله، وأن يكون حليماً متأنياً ذا فطنة وتيقظ لا يؤتى من غفلة، ولا يخدع لغره، عفيفاً ورع نزيهاً بعيداً عن الطمع، ذا رأي ومشورة، وأن لا يكون جباراً، ولا عسوفة، قال علي رضي الله عنه: ( لا ينبغي أن يكون القاضي قاضياً حتى تكون فيه خمس خصال: عفيف، حليم، عالم بما كان قبله، يستشير ذوي الألباب، ولا يخاف في الله لومة لائم ) ولما دخل التقصير في الأمة، أيها الأخوة وعما الضعف فيها ضعفت من جميع النواحي، والقضاء ناحية من النواحي، ففي بعض البلدان لا تعرف الشريعة، وفي بعضها تعرف الشرعية في الأحوال الشخصية فقط، في حدود المواريث، والنكاح، والطلاق، والخلع، ونحو ذلك،، وفي بعضها تم الاعتداء على أجزاء من الأحوال الشخصية في الشريعة الإسلامية، فجعل فيها في أبواب الطلاق والخلع مسايرة للكفار واستجابة لضغوطهم، ما هو مخالف لأحكام الشريعة، فحتى قانون الأحوال الشخصية لم يسلم من الاعتداءات،، وهكذا لا يزال الكفار يضغطون، ويقولون: هذه الشريعة لا تفي ولا تكفي ولا بد من كذا وكذا، ولا بد من إقامة هيئات أخرى غير الهيئات الشرعية، مع أن الهيئات الشرعية لو أقيمت على الشرع والكفاية لحصل الخير العظيم، فأحكام الشريعة تتسع وتكفي لتغطية القضايا في أمور المنازعات التجارية، وفي أمور المرور والحوادث، وفي سائر الأنحاء في الحياة البشرية، لأن هذه الشريعة شاملة كاملة صالحة لكل زمان، ولكن لا بد أن يوجد في رجال الإسلام من يبرز هذه الخصائص للشريعة، وأن يبين كيف تتسع لجميع القضايا، فالعجز ليس في الشرعية، وإنما في هؤلاء المسلمين الذين يرفض بعضهم، مثل هذا فليسوا بمسلمين، وفي أبناء المسلمين الذين يرون إعجاباً بالكفرة أن قوانينهم أسد وأبلغ وأمنع، ومعلوم ما يوجد عندهم من الظلم، فترى بعض قوانينهم الآن إذا قتل الرجل زوجته يحكم عليه بالسجن أشهر مع وقف التنفيذ، وفي بضعها في الناحية المقابلة ظلم بحكم أشد مما يجب شرعاً، وقوانينهم مخترقة بهؤلاء المحامين الذين عندهم جيوش جرارة من المستشارين، ويبنون أحكامهم بفذلكات ودفاعاتهم، بفذلكات تحير القضاة الذين لا يرون في القانون ما يدفع هذه الفذلكات، فيتم الحكم لأهل الباطل أو لصاحب الباطل، وكذلك تدرأ العقوبة عن الظالم، أما هذه الشريعة فإنها ولله الحمد تعدل ولذلك يجب على القاضي أن يجلس المتخاصمين في الجلسة سواء.

دخل الأشعث بن قيس من كبار رجالات الإسلام في عهده على القاضي شريح، فقال شريح: مرحباً، وأهلاً وسهلاً بشيخنا وسيدنا وأجلسه معه، فبينما هو جالس معه إذ دخل رجل يتظلم من الأشعث، فقال شريح للأشعث بن قيس: قم فأجلس مجلس الخصم وكلم صاحبك، فقال: بل أكلمه في مجلس، قال له: لتقومن أو لأمرن من يقيمك، وهكذا كانوا لا يتوقفون في القضاء ولو على الخليفة والإمام، وقد ذكر العلماء النصوص على كفايتهم وتبيين حكم الهدية وأنها غير جائزة.

إذا خان الأمير وكاتباه ... ... وقاضي الأرض داهن في القضاء

فويل ثم ويل ثم ويل ... ... لقاضي الأرض من قاضي السماء

وإن كان الوداد لذي وداد ... ... يزحزحه عن الحق الجلاء

فلا أبقاه رب العرش يوما ... ... كحله من نيل من عماء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت