حدث الشعبي قال: شهدت شريحاً وقد جاءتهم امرأة تخاصم رجلاً فأرسلت عينيها فبكت، فقلت: يا أبا أمية ما أظن هذه البائسة إلا مظلومة، فقال: يا شعبي إن إخوة يوسف جاءوا أباهم عشاءً يبكون، ومن القضاة المشهورين في تاريخ الإسلامي إياس بن معاوية، أستودع رجلاً من أمناء إياس مالاً وكان أميناً لا بأس به وخرج إلى مكة، فلما رجع صاحب المال الذي أودعه طلبه من الذي أودعه عنده فجحده، فأتى إياساً فأخبره بما حصل من الجحد، فقال له إياس: أعلم أنك أتيتني قال: لا، قال: فنازعته عند أحد؟ قال: لا، لم يعلم أحد بهذا. قال: فأنصرف وأكتم أمرك ثم عد إلي بعد يومين، فمضى الرجل فدعا إياس ذلك المستودع عنده فقال له: قد حضر عندي مال كثير أريد أن أسلمه إليك أفحصين منزلك؟، أريد أن أودع عندك المال الكثير أفحصين منزلك، قال: نعم، قال: فأعد موضع للمال وقوماً يحملونه وعاد الأول إلى إياس، فقال: أنطلق إلى صاحبك الآن فأطلب المال، فإن أعطاك فذاك وإن جحدك! فقل له: إن أخبر القاضي، فأتى الرجل صاحبه فقال: مالي وإلا أتيت القاضي وشكوت إليه وأخبرته بما جرى، فدفع إليه ماله وطلب منه أن لا يخبر أحداً، فرجع الرجل إلى إياس، قال: قد أعطاني المال، وجاء ذلك الذي أعد البيت والعمال فزبره إياس وأنتهره وقال: لا تقربني يا خائن.
وجاءه رجل يطلب مال من رجل فجحده الثاني فقال الطالب: إني دفعت المال إليه، قال: من حضر؟، دفعت في مكان كذا وكذا ولم يحضرنا أحد، قال: فأي شيء في ذلك الموضع؟، قال: شجرة، قال: فأنطلق إلى ذلك الموضع وأنظر الشجرة فلعل الله يوضح لك هناك ما يتبين به حقك، لعلك دفنت مالاً عند الشجرة ونسيت فتتذكر إذا رأيت الشجرة، فلما مضى الرجل، قال إياس لخصمه المنكر: أجلس حتى يرجع خصمك، فجلس وإياس يقضي بين المختصمين الجدد، وينظر إليه ساعة ثم يقضي، ثم ينظر إليه ثم قال له فجأة: هل ترى أن صاحبك بلغ موضع الشجرة؟، قال: لا، قال: يا عدوا الله إنك لخائن، لأنه كان قد أنكر قبل قليل أنه أخذ شيئاً لا عند الشجرة ولا عند غيرها، ولكن أخذه إياس على حين غفلة، قال: بلغ صاحبك الشجرة؟ قال: لا، قال: يا عدوا الله إنك لخائن، قال: أقلني أقالك الله، فأمر من يحتفظ به حتى جاء الرجل، فقال له إياس: قد أقر لك بحقك فخذه؟
وهكذا كان القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة، وكان للقاضي هيبته وكانت الأحكام تجري بين المسلمين على وفق الكتاب والسنة، واجتهاد القضاة، ولم يكن هناك من يشوش، ويخالف، ويثير الشبهات، حتى نبتت من نابتات المنافقين في هذه الأمة، فشغبوا على حكم الكتاب والسنة، وقالوا: قاصر، وقالوا: لا يكفي، وقالوا ما قالوا بشأن الحدود وطعنوا في أحكام الشريعة، وأن الحدود وحشية، وبعضها غير مناسب، ونحو ذلك من الأشياء.
فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يرد كيدهم في نحورهم، وأن يعز الدين وأهله، وأن يعز القضاء وأحكام الشريعة، وأن يجعل لواء العدل في هذه الأحكام بين الناس منشورة، وأن يجعلنا من الراضين بحكمه وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن نكون ممن يسلموا تسليماً.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
وأوسعوا لإخوانكم يوسع الله لكم.
الحمد لله، أشهد ألا إله إلا الله، وسبحان الله بكرة وأصيلاً، وأشهد أن محمداً عبد الله صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، اللهم صل وسلم وزد وبارك على عبدك ونبيك محمد إمام المتقين، وقائد الغر المحجلين، والشافع المشفع يوم الدين، وحامل لواء الحمد في الآخرة، وصاحب المقام المحمود، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين.